رأي

وصفة تمزيق بلد (السودان)

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

1. البداية بالفكرة

لا أحد يمزق بلداً دفعة واحدة.

الخرائط لا تتشقق فجأة.

ولا تتساقط الحدود كما تتساقط أوراق الخريف.

التمزيق الحقيقي يبدأ في العقول، لا في الميادين.

في كتاب The Grand Chessboard (رقعة الشطرنج الكبرى) يتحدث Zbigniew Brzezinski (المفكر والاستراتيجي الأمريكي من أصل بولندي) عن إدارة العالم كرقعة شطرنج.

القطع لا تُحطم مباشرة.

بل تُعزل أولاً، تُربك، تُحاصر، ثم تُترك لتسقط وحدها.

الفكرة ليست إسقاط الدولة بالقوة.

بل جعلها تفقد توازنها بنفسها.

وفي أطروحات Samuel P. Huntington في The Clash of Civilizations (صدام الحضارات)، يصبح التفكك أكثر سهولة عندما يُعاد تعريف الصراع كهوية لا كسياسة (أي باعتباره صراع وجود لا صراع برامج).

عندها لا يبحث المواطن عن حل.

بل عن خلاص.

قبل كل ذلك، هناك خطوة أبسط وأكثر قسوة.

امنح بعض المناطق كل وسائل الراحة والرفاهية.

واترك مناطق أخرى تعاني من الحرمان.

اجعل جزءاً من الوطن ينعم بكل الرفاهية.

طرق معبدة، خدمات، فرص، أضواء لا تنطفئ.

واترك جزءاً آخر يشرب مع الأبقار من مجرى واحد، يسكن بيوت الصفيح وهي تطل على أغنى الموانئ موقعاً جغرافياً.

ويُدفع بعضه إلى معسكرات تغطي تحتها ثروات لا يراها أهلها.

عندها لن تحتاج إلى التحريض.

المقارنة وحدها ستفعل ما تفعله المدافع.

الوصفة لا تقول اقسم البلد.

الوصفة تقول اصنع فجوة، ثم راقبها تكبر.

2. حوِّل السياسة إلى هوية ولن تحتاج إلى حرب

الاختلاف السياسي يمكن احتواؤه.

الاختلاف الهوياتي لا يُحتوى.

يُورَّث.

عندما يتحول الخلاف من برنامج حكم إلى من نحن (سؤال الهوية والانتماء)، يصبح الصراع صفرياً.

الوصفة هنا دقيقة.

لا تقل للناس إنهم مختلفون سياسياً.

قل لهم إنهم مختلفون وجودياً.

أعد تعريف المواطن لا بوصفه شريكاً في وطن، بل بوصفه ممثلاً لقبيلة، جهة، أو إقليم.

وهنا التطبيق العملي يقتل أي محاولة للمساواة.

عند التقدم للخدمة المدنية، يُطلب ذكر اسم القبيلة (بوصفه معياراً غير معلن للمفاضلة)، ليصبح الانتماء القبلي معياراً أولاً قبل الكفاءة.

تُخصص الوظائف على أساس جهوي أو مناطقي، لا أكاديمي، فتتضاعف الهوة بين المناطق.

يُعطى تمثيل بعض الإثنيات للمناصب العليا ترميزاً تضليلياً (تمثيل شكلي)، يعني يبدو للعيان أن هناك عدالة ومساواة، بينما الواقع يُظهر أن القوة الحقيقية موزعة بطريقة تعزز الانقسامات.

غيّر اللغة أولاً.

لا تقل مواطنون. قل مكونات (تعبير يُجزئ الكل إلى أجزاء متنازعة).

لا تقل وطن. قل أقاليم.

لا تقل شعب. قل حاضنة، المجموعة التي ينتمي إليها الفرد في إطار هويته.

وعندما يتحدث الناس عن أنفسهم بهذه المفردات، فقد بدأ التمزق بالفعل.

في هذه المرحلة لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة.

يكفي أن تُترك وسائل الإعلام تعيد تكرار السيناريو كل مساء، أن تُروى القصص القديمة بمرارة جديدة، وأن يُذكَّر كل طرف بأنه ضحية تاريخية لم تُنصف.

عندها لن يسأل أحد كيف نبني دولة.

سيسأل الجميع من يحكم من.

3. لا تتدخل… دع الفوضى تؤدي الغرض

أحياناً لا يكون التدخل هو الخطة.

أحياناً يكون الغياب هو الأداة.

تُترك اللحظة الحرجة تتمدد.

يُترك الفراغ الأمني يتسع.

يُترك الغضب في الشارع بلا احتواء سريع.

عندما قُتل John Garang (الزعيم التاريخي للحركة الشعبية لتحرير السودان)، لم تكن الصدمة وحدها هي ما صنع الفوضى، بل الساعات التي بدت فيها الدولة وكأنها غائبة.

وعندما وصلت قوات متمردة إلى أطراف Khartoum (العاصمة السودانية) بقيادة Khalil Ibrahim (رئيس حركة العدل والمساواة آنذاك)، لم يكن السؤال فقط كيف وصلت، بل كيف بدت العاصمة مكشوفة لتلك اللحظات.

يكفي أن تُبنى الصورة في الوعي الجمعي.

هؤلاء يأتون بالعنف، ثم تتكرر الصورة حتى تصبح حقيقة نفسية.

حتى لو كانت اللحظة الأصلية أكثر تعقيداً.

هكذا تُصنع الكراهية بالتقسيط، لا بخطاب رسمي مباشر، بل بمشهد غير مُدار.

4. إدارة المخطط من بعيد وجعل الاقتتال وجودياً

جزء أساسي من المخطط هو أن يُدار من مسافة آمنة بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.

القادة والمنفذون يتحكمون بالهوية، توزيع الموارد، والفجوات بطريقة تجعل الانقسام داخلياً يبدو طبيعياً، بينما تظل السيطرة العليا محكمة وسرية.

لديهم خيارات احتياطية مثل بلاد بديلة أو قواعد آمنة (ملاذات سياسية أو اقتصادية) لضمان استمرار المخطط رغم أي مقاومة أو فوضى محلية.

كما أن جزءاً آخر من الاستراتيجية هو جعل الاقتتال وجودياً.

شعارات الحرب والخطاب السياسي تزرع فكرة أن أي تنازل يعني الهزيمة أو الخطر على الهوية.

التعنت تجاه مسارات السلام يجعل كل محاولة تهدئة تبدو ضعفاً أو خيانة.

ترميز الهوية يجعل كل طرف يشعر أن استمرار الصراع ضرورة للحفاظ على وجوده الاجتماعي أو الإقليمي.

بهذه الطريقة، كل خطوة، كل تأخير، وكل فجوة في توزيع الموارد، تُبرر ضمن هذا الإطار، ويصبح الانقسام والتمزيق أداة استراتيجية ذكية ومستدامة.

5. عندما يكتمل الشرخ… يأتي الخارج كحل

بعد أن تُزرع الفجوة وتُغذّى الهوية ويُترك الداخل ليتخاصم، لا يعود التدخل الخارجي غزواً، بل عرض مساعدة.

في تجارب مثل Yugoslavia (الاتحاد اليوغوسلافي السابق في البلقان)، لم يبدأ الخارج بالصواريخ، بل بالمؤتمرات والوساطات والخبراء، بلغة إنسانية ناعمة تتحدث عن حماية المدنيين لا عن إعادة رسم الخرائط.

وعندما تنهار المؤسسات المركزية، لم يكن الانقسام نتيجة طلقة واحدة، بل نتيجة سنوات من إنهاك داخلي جعل التفكك يبدو خياراً عقلانياً.

اجعل الدولة ضعيفة بما يكفي لتفقد قدرتها على إدارة أزمتها، ثم دع المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة كملف، لا كوطن.

يتحول القرار السيادي إلى بند في جلسة.

وتتحول الأرض إلى منطقة نزاع.

وتتحول الجماعات إلى أطراف.

ويصبح الحل المطروح ليس كيف نعيد بناء الدولة، بل كيف نعيد توزيعها.

6. من الذي يطبّق الوصفة اليوم؟

ليس السؤال من يريد تمزيق السودان، بل من الذي جعل خطوات التمزيق تتحقق خطوة خطوة.

من الذي عمّق الهوة بين المركز والهامش.

من الذي حوّل السياسة إلى صراع هوية لا إلى مشروع وطني.

من الذي ترك اللحظات الحرجة بلا إدارة حاسمة، حتى أصبح الفراغ الأمني والتخطيط المتأخر يخلق صورة العدو الداخلي.

هناك من استثمر الخطاب الديني والسياسي لصنع أعداء وهميين، عبر التيارات ذات الخطاب الهوياتي، حتى بدا القادم من إقليم آخر غريباً على الأرض، لا شريكاً في الوطن.

وهناك من تحكم في القوة المسلحة، أحياناً تاركاً المواطنين يواجهون العنف والتخوين بأنفسهم، مما عزّز شعور القلق والخذلان، وشعور الخذلان يوم فض الاعتصام أمام أبوابه الموصدة.

مرة بعد مرة، تُعاد كتابة الواقع.

فراغ السلطة، خطاب التفرقة، صورة العدو الداخلي.

الوطن لم يعد يجمع، بل يقسّم.

ربما ليست جهة واحدة، لكن الأخطر أن كل طرف يظن أنه يحمي مصالحه، بينما يضع لبنة جديدة في جدار فصله، ويكرّس الوصفة التي تحدثنا عنها.

تمزيق البلد لا يحتاج إعلاناً رسمياً، يكفي أن يُعاد تعريفه يومياً، حتى يستيقظ أهله فيجدوا أن الخرائط تغيّرت قبل أن يُغيّرها أحد رسمياً.

لكن السؤال الأكبر يظل.

هل ما يحدث في السودان في الثلاثة عقود ونيف الأخيرة هو صدفة مقترنة بسوء طالع، أم مؤامرة متعمدة.

وكم يكفي ثمناً لخلق هذا الشتات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!