بين طموح النص وتعقيدات الواقع: الدستور الانتقالي السوداني 2025 في مرآة التجارب الأفريقية : دراسة نقدية مقارنة
عبد العليم بابكر

عبدالعليم بابكر
القيادي بتيار الوسط للتغيير
لا يُقاس نجاح الدساتير في الدول الخارجة من الحروب بثراء نصوصها الحقوقية وحده، و إنما بقدرتها على تحويل المبادئ إلى آليات عملية تمنع عودة الصراع. و من هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع الدستور الانتقالي السوداني لعام 2025 في ضوء عدد من التجارب الدستورية الأفريقية، و على رأسها جنوب أفريقيا و رواندا و كينيا، مع استحضار دروس التجربة الإثيوبية و انفصال جنوب السودان. و تكشف هذه المقارنة أن مشروع الدستور السوداني يتفوق من حيث الطموح القيمي و الحقوقي، لكنه لا يزال يواجه تحديات جوهرية في تصميم أدوات التنفيذ و الضمانات المؤسسية.
أولى هذه القضايا تتعلق بالعدالة الانتقالية. فمن ناحية، يمنح مشروع الدستور أهمية كبيرة للمحاسبة و العدالة التاريخية، و يربطها بالمحكمة الجنائية الدولية، و هو توجه يعكس التزامًا واضحًا بعدم الإفلات من العقاب. غير أن هذا المسار، رغم وجاهته الأخلاقية و القانونية، يثير تساؤلًا حول غياب مسار موازٍ للمصالحة الوطنية يتيح مخرجًا سياسيًا آمنًا للأطراف المنخرطة في النزاع.
و في هذا السياق، تقدم تجربة جنوب أفريقيا نموذجًا مختلفًا؛ إذ لم تعتمد الانتقال الديمقراطي على المحاكمات وحدها، بل أنشأت لجنة الحقيقة و المصالحة التي قامت على مبدأ الاعتراف الكامل بالحقيقة مقابل العفو الفردي المشروط. و قد أسهم هذا الترتيب في تجنب انهيار مؤسسات الدولة و تقليل احتمالات المقاومة المسلحة من جانب النخب الأمنية للنظام السابق.
و بالنظر إلى الحالة السودانية، فإن الاكتفاء بالنص على المحاسبة دون تحديد إطار واضح للعدالة الانتقالية قد يزيد من مخاوف الأطراف الخاسرة و يضعف فرص التسوية السياسية. لذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى تضمين نص دستوري ينشئ نظامًا هجينًا يجمع بين محاكمة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، و إتاحة العفو المشروط و الاعتراف و التعويض في الجرائم الأقل خطورة، بدلاً من ترك تفاصيل العدالة الانتقالية لقوانين لاحقة قد تتأخر أو تختلف باختلاف موازين القوى السياسية.
القضية الثانية ترتبط بطبيعة النظام الفيدرالي و إدارة التنوع. فمشروع الدستور يحظر خطاب الكراهية و التمييز، و هو ما ينسجم مع المبادئ التي تبناها دستور رواندا بعد الإبادة الجماعية. إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن رواندا اتجهت إلى تقليص حضور الهويات الإثنية في المجال السياسي، بينما يمنح المشروع السوداني مساحة واسعة للتمثيل الجهوي و الإثني، من خلال تقسيم البلاد إلى أقاليم و الاعتراف بالملكية العرفية و النص على التمثيل العادل لمكونات الشعب السوداني.
و رغم أن هذا النهج يستهدف معالجة التهميش التاريخي، فإنه يقترب في بعض جوانبه من نموذج الفيدرالية الإثنية الإثيوبي، الذي أظهر هشاشة كبيرة عندما تحولت الحدود الإدارية القائمة على الهوية إلى خطوط مواجهة خلال حرب تيقراي. و تزداد حساسية هذه المسألة في السودان مع وجود نص يمنح حق تقرير المصير في ظروف معينة، و هو أمر يستدعي استحضار تجربة انفصال جنوب السودان و ما تركته من آثار سياسية و استراتيجية.
و لتقليل هذه المخاطر، يمكن التفكير في إنشاء هيئة دستورية مستقلة تتولى الفصل السريع في النزاعات الحدودية بين الأقاليم، إلى جانب وضع ضوابط إجرائية صارمة لممارسة حق تقرير المصير، بحيث يصبح ملاذًا استثنائيًا لا أداة ضغط سياسي متكررة.
أما القضية الثالثة فتتعلق بآليات توزيع السلطة و الثروة. فمشروع الدستور يستخدم في عدد من مواده عبارات من قبيل “يُراعى” و”يجب مراعاة”، وهي تعبيرات تمنح مساحة واسعة للاجتهاد السياسي لكنها تضعف قابلية النصوص للتنفيذ القضائي.
و تقدم التجربة الكينية، بعد أزمة العنف الانتخابي عامي 2007 و 2008، نموذجًا مختلفًا يقوم على إلزام دستوري أكثر وضوحًا. فقد نص الدستور الكيني على معايير كمية محددة في بعض مجالات التمثيل، و أنشأ مفوضية مستقلة لتوزيع الإيرادات تعتمد معادلات واضحة تأخذ في الاعتبار الفقر و التهميش و الاحتياجات التنموية، بما يقلل من تأثير الاعتبارات السياسية في توزيع الموارد.
و في الحالة السودانية، قد يكون من المفيد استبدال الصياغات العامة بنصوص أكثر تحديدًا، تتضمن معايير قابلة للقياس و المساءلة، مع إنشاء هيئة مستقلة لتوزيع الموارد وفق مؤشرات موضوعية، بما يعزز العدالة التنموية و يحد من النزاعات المرتبطة بتقاسم الثروة.
في المحصلة، تكشف المقارنة أن مشروع الدستور الانتقالي السوداني لعام 2025 يمثل وثيقة متقدمة على المستوى الحقوقي و القيمي، لكنه يحتاج إلى تعزيز بنيته المؤسسية و الإجرائية حتى تتحول المبادئ الدستورية إلى ضمانات عملية. فخبرات أفريقيا تشير إلى أن نجاح الدساتير لا يتحدد ببلاغة النصوص، و إنما بقدرتها على إدارة التنوع، و احتواء آثار الحروب، وبناء مؤسسات قادرة على إنفاذ الحقوق و حسم النزاعات.
وزمن ثم، فإن إدخال تعديلات دستورية تكميلية تعزز منظومة العدالة الانتقالية، و تضبط إدارة الفيدرالية، و تضع قواعد ملزمة لتوزيع السلطة و الثروة، قد يسهم في جعل الدستور إطارًا أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار و منع تجدد الصراعات، و يقرب السودان من نماذج الانتقال الناجحة في القارة الأفريقية، مع تجنب الإخفاقات التي شهدتها تجارب أخرى.
21 يوليو 2026




