رأي

تقرير منظمة العفو الدولية عن الفاشر: تسييس العدالة واختلال الحياد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تتحول العدالة إلى سلاح سياسي، يفقد المظلوم صوته وتنتصر البروباغندا

تظل النزاعات المسلحة ساحات مفتوحة ليس فقط للمواجهات العسكرية بالأسلحة الفتاكة، بل لحروب موازية لا تقل ضراوة، وهي حرب السرديات وصناعة الرأي العام وتوجيه الاتهامات الجنائية. وفي هذا السياق المعقد، تكتسب التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية أهمية بالغة، كونها تُصاغ بلغة القانون الإنساني الدولي وتُقدم للعالم كوثائق محايدة تفصل في الجرائم وتحدد الجناة. ومع ذلك، فإن تقرير منظمة العفو الدولية الأخير بشأن الأوضاع المأساوية في مدينة الفاشر السودانية قد أثار زلزالاً من الجدل، ونقل المنظمة من خانة المراقب المستقل إلى دائرة الاتهام بتبني رواية سياسية أحادية تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والاتزان الميداني، مما يعيد إنتاج دعاية الحرب بدلاً من تفكيكها وتوثيقها بحياد.

إن القراءة الفاحصة والمتأملة لمنهجية هذا التقرير المنشور صراحةً تحت وسم تقارير تقصي الحقائق في السودان، تكشف بوضوح عن اختلالات بنيوية وجوهرية تضرب مصداقيته في مقتل. فالمنظمة اعتمدت في صياغة اتهاماتها الثقيلة على إفادات حصرية لمجموعة من الأشخاص جرى تقديمهم للمجتمع الدولي بوصفهم “ضحايا وشهود عيان”. وإذا كان الاستماع إلى الضحايا ركيزة أساسية في العمل الحقوقي، فإن الخلل يكمن في اختيار بيئة هؤلاء الشهود؛ إذ ينتمي جلهم إلى الحواضن الاجتماعية والسياسية للقوات المتحالفة مع الجيش والقوة المشتركة. بل إن بعض هذه المصادر انخرط بشكل مباشر أو غير مباشر في الأعمال العدائية والاستنفار الحربي حول الفاشر. هذا الانتقاء الموجه يجعل من تلك الشهادات صدىً لرواية طرف واحد في النزاع، ويحول التقرير الحقوقي من وثيقة قانونية دامغة إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية وتبرئة أطراف على حساب أخرى.

لا يمكن قراءة المشهد العسكري والإنساني في الفاشر بمعزل عن تعقيداته الميدانية؛ فالمدينة لم تكن مجرد بقعة جغرافية هادئة تعرضت لاعتداء مفاجئ، بل تحولت بمرور الوقت إلى ثكنة عسكرية كبرى تضم تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات والأهداف. لقد تعمد تقرير منظمة العفو الدولية تجاهل هذه الطبيعة المعقدة للمعركة، وغض الطرف تماماً عن الدور المحوري الذي لعبته القوة المشتركة والمجموعات المستنفرة في تحويل الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين والمؤسسات الحيوية إلى خطوط دفاع أمامية وساحات اشتباك مباشر. إن هذا التغافل العمدي يسقط المسؤولية التضامنية عن أطراف النزاع ويحمل طرفاً واحداً كامل التبعة القانونية والأخلاقية، وهو استنتاج يبدو في جوهره سياسياً بامتياز، ومصمماً لخدمة أجندة دولية وإقليمية محددة، بعيداً عن السرد القانوني الرصين الذي يحلل الوقائع بناءً على قواعد الاشتباك والمسؤولية الجنائية الفردية والمشتركة.

يرى العديد من الخبراء والمراقبين للشأن الحقوقي الدولي أن منظمة العفو الدولية باتت خلال السنوات الأخيرة تعاني من أزمة بنيوية حقيقية ترتبط بآليات جمع المعلومات في مناطق النزاعات المغلقة. ومع غياب القدرة على الوصول الميداني المستقل، أصبحت المنظمة ترتهن بشكل شبه كامل لشبكات محلية ومصادر ميدانية تفتقر إلى التوازن، بل وتتحرك أحياناً بدوافع أيديولوجية أو عرقية أو سياسية. انعكس هذا الارتهان بوضوح على عدد من تقاريرها المتعلقة بالسودان، حيث جاء التقرير الحالي محملاً بأحكام مسبقة صِيغت على عجلة، واستنتاجات نهائية جرى القفز إليها قبل استكمال التحقيقات الدولية المستقلة، وقبل الاستماع بإنصاف وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف ذات الصلة لتقديم ردودها ومستنداتها، مما يمثل خرقاً فاضحاً لأبسط معايير العدالة الإجرائية.

إن خطورة هذا النهج الانتقائي تتضاعف عندما نرى كيف أغفل التقرير وقائع موثقة بالصوت والصورة تتعلق بالانتهاكات الصارخة التي تعرض لها المدنيون في مناطق سودانية أخرى نتيجة القصف الجوي العشوائي، والحصار الخانق، وعمليات التجنيد القسري والاستنفار الشعبي للشباب والأطفال التي مارستها الأطراف المتحالفة مع الجيش. هذا الصمت المريب عن جرائم طرف، والتركيز الميكروسكوبي على تجاوزات الطرف الآخر، يعززان الانطباع السائد بأن المنظمة اختارت عن وعي سردية أحادية الجانب، متخليةً عن دورها كضمير أخلاقي وحقوقي عالمي لتصبح، بقصد أو بدون قصد، أداة في ماكينة البروباغندا العسكرية التي تغذي استمرار الحرب وتباعد بين الفرقاء وعناصر المجتمع.

وفي ظل الاستقطاب الحاد والانقسام الذي يهدد وحدة السودان وكيانه الوطني، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى تقارير حقوقية تتسم بالاستقلالية المطلقة، والموضوعية الصارمة، والاتزان المنهجي. إن حماية المدنيين السودانيين، وهو الهدف الأسمى الذي يجب أن تلتقي حوله كل الجهود، لا يمكن أن تتحقق عبر تقارير انتقائية تتبنى البروباغندا السياسية أو تعيد إنتاج خطاب الكراهية والتحريض. إن الطريق الوحيد لخدمة العدالة وإيقاف نزيف الدم يكمن في تبني تحقيقات مهنية مستقلة على الأرض، تستند إلى الأدلة المادية القابلة للتحقق الفني، وتستمع إلى جميع أطراف النزاع دون أفكار مسبقة، وتضع مصلحة الضحية الحقيقي فوق كل اعتبار سياسي أو إستراتيجي. وخلاف ذلك، فإن المؤسسات الحقوقية الدولية تخاطر بتحويل نفسها إلى جزء من الصراع وأداة لتأجيجه، بدلاً من أن تكون منارة لكشف الحقيقة وسنداً لإرساء قيم العدالة والمحاسبة.

إن رصد الانتهاكات الحقوقية في أوقات الحروب يتطلب من المنظمات الكبرى مثل منظمة العفو الدولية الالتزام ببروتوكولات صارمة تمنع وقوعها في شباك التوجيه الإعلامي. لكن التدقيق في عبارات هذا التقرير يظهر انحيازاً بنيوياً في اختيار المصطلحات وتوصيف الوقائع؛ حيث تم إضفاء طابع الشرعية والتحمل الأخلاقي المسبق على بعض الفصائل، بينما جرى استخدام لغة إدانة مطلقة وجازمة تجاه أطراف أخرى قبل توفر الأدلة الجنائية القطعية. هذا التباين اللغوي والمنهجي يعزز الشكوك حول مدى استقلالية القرار الحقوقي داخل المنظمة، ويسلط الضوء على الضغوط السياسية التي تمارسها أطراف دولية تسعى لتوجيه مسار الصراع في السودان نحو مسارات تخدم مصالحها الجيوسياسية الخاصة، دون اكتراث حقيقي بالعدالة الانتقالية أو إنصاف الضحايا على أساس المساواة والمواطنة الحقة.

تتضح معالم البروباغندا الموجهة عندما يتم عزل وقائع الفاشر عن سياقها الميداني الممتد؛ فالمدينة تشهد تجاذبات عسكرية وسياسية بشكل يصعب معه فرز الوقائع دون تمحيص دقيق ومستقل. وبدلاً من أن يقوم تقرير منظمة العفو الدولية بتفكيك هذه العقد والمساهمة في خلق أرضية مشتركة للسلام والمحاسبة، فإنه اختار الطريق الأسهل عبر تبني الرواية الأكثر رواجاً في الدوائر المقربة من مراكز القوة التقليدية. هذا المسلك لا يضعف مصداقية المنظمة فحسب، بل يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد النزاع عبر طمأنة الأطراف التي تشعر بالحماية السياسية الدولية، مما يدفعها للاستمرار في تبني الحلول العسكرية ورفض التنازلات الضرورية لإنهاء الحرب وحقن دماء المدنيين العزل الذين يدفعون وحدهم ثمن هذا الاستقطاب الدامي والمستمر.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المطلق على المقابلات عن بُعد والتطبيقات الرقمية في رصد الانتهاكات بمناطق العمليات العسكرية يطرح تحديات تقنية وأخلاقية كبرى عجز التقرير عن تجاوزها بشكل مهني. في بيئة حرب يسيطر فيها كل طرف على وسائل الاتصال ومساحات الحركة في مناطق نفوذه، يصبح من السهل جداً فبركة الشهادات وتوجيه الضحايا المفترضين للإدلاء بروايات تخدم توجهاً عسكرياً معيناً. ولم يشر تقرير منظمة العفو الدولية إلى أي آليات واضحة اتبعها للتحقق من صدق الإفادات أو عزل التأثيرات والتهديدات التي قد يكون الشهود قد تعرضوا لها من قِبل القوى المسيطرة على الأرض، مما يجعل المادة التوثيقية التي بُني عليها التقرير هشة من الناحية القانونية ولا يمكن الاعتماد عليها في أي محاكمات دولية مستقرة تتسم بالنزاهة والمهنية والموضوعية والعدالة المطلقة والشفافية التامة بين الأطراف.

تأسست المنظمات الحقوقية الدولية لتكون صوتاً لمن لا صوت له، وسيفاً مسلطاً على رقاب الجناة بغض النظر عن هوياتهم أو انتماءاتهم السياسية والعسكرية. ولكن عندما تحيد هذه المنظمات عن جادة الصواب وتسقط في فخ الانتقائية، فإنها تفقد المبرر الأخلاقي لوجودها وتتحول إلى مجرد واجهات لتمرير أجندات القوى العظمى. إن السودان اليوم يمر بمنعطف تاريخي خطير يتطلب تضافر الجهود الدولية الصادقة لوقف الحرب وإغاثة الملايين من النازحين والجوعى، وليس صب الزيت على النار عبر تقارير متحيزة تفتقر للحياد وتساهم في تعميق الشروخ وتكريس الانقسامات العمودية بين مكونات الشعب السوداني، وهو ما يدق ناقوس الخطر حول مستقبل العمل الحقوقي العالمي وقدرته على الصمود أمام إغراءات التسييس وضغوط الاستقطاب الدولي الراهن في الساحة السياسية العالمية.

إن غياب الشفافية في اختيار العينات البحثية يمثل ثغرة قانونية لا يمكن التغاضي عنها في مسار العدالة الدولية؛ إذ إن بناء اتهامات بجرائم حرب على أساس رصد من طرف واحد يسهم في تقويض هيبة القانون الإنساني الدولي. يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن تبني مثل هذه التقارير المشبوهة لمنظمة العفو الدولية يؤدي إلى عرقلة مساعي التفاوض السلمي، لأن الطرف المستهدف بالإدانة الأحادية سيستشعر غياب الإنصاف، مما يدفعه إلى التمترس خلف مواقفه العسكرية دفاعاً عن وجوده، وبذلك يتسبب التقرير في تغذية الدورة الدموية للعنف بدلاً من كبحها واحتوائها. إن نزاهة التقارير الحقوقية هي الضمانة الوحيدة لإنقاذ الضحايا الحقيقيين وإعادة بناء الثقة في آليات المحاسبة الدولية التي تضررت كثيراً بسبب هذه المعايير المزدوجة والتوجيه السياسي المفضوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!