
أبوعبد الله الراشدي
حين تعجز عن مجاراة القمة، تحاول أن تُنكر ارتفاعها
ليس من قبيل المصادفة أن تتزامن الحملات الإعلامية والسياسية التي تستهدف دولة الإمارات العربية المتحدة مع كل محطة إنجاز جديدة تحققها الدولة على المستويين الإقليمي والدولي. فالمسألة لا تختزل في عاملين أو سببين عابرين، بل ترتبط بمجموعة معقدة من العوامل والمؤشرات التي تكشف أن استهداف الإمارات أصبح في ذاته مؤشراً على حجم التحول الذي أحدثته في معادلات المنطقة والعالم.
أول هذه العوامل يتمثل في التحول البنيوي الذي أحدثته الإمارات في نموذج الدولة العربية الحديثة. فقد انتقلت خلال عقود قليلة من اقتصاد ريعي تقليدي إلى اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار. الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، واستكشاف الفضاء، لم يكن مجرد ترف سياسي، بل استراتيجية واعية لبناء دولة المستقبل. هذا التحول السريع خلق فجوة واضحة بينها وبين دول لم تستطع الخروج من أزماتها الهيكلية، فكان النجاح الإماراتي بمثابة مرآة تعكس إخفاقات الآخرين.
العامل الثاني يرتبط بالمكانة الدبلوماسية المتصاعدة. الإمارات لم تعد طرفاً تابعاً في ملفات المنطقة، بل أصبحت لاعباً مبادراً، قادراً على التحرك في مساحات معقدة، من التهدئة الإقليمية إلى الوساطات الدولية، ومن دعم الاستقرار في بؤر النزاع إلى بناء شراكات استراتيجية مع قوى كبرى شرقاً وغرباً. هذا التوازن الدقيق بين المصالح، دون ارتهان لمحور واحد، أزعج أطرافاً اعتادت على قراءة المنطقة بلون واحد.
ثالث العوامل هو القوة الناعمة. فالإمارات استطاعت أن تبني صورة ذهنية عالمية قائمة على التسامح والتعايش والانفتاح. أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرضها في بيئة آمنة ومستقرة، ما جعلها نموذجاً نادراً في منطقة مضطربة. هذا التنوع لم يكن شعاراً، بل واقعاً يومياً يعكس بنية مؤسسية قادرة على إدارة الاختلاف وتحويله إلى مصدر قوة. ومن الطبيعي أن تُستهدف الصورة الناجحة حين يعجز البعض عن إنتاج صورة بديلة.
العامل الرابع يتمثل في المؤشرات الدولية التي تؤكد التقدم المتسارع. تصدرها إقليمياً ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جداً في تقرير مؤشر التنمية البشرية 2025، وتقدمها في الترتيب العالمي، ليس مجرد رقم في تقرير أممي، بل شهادة دولية على جودة السياسات العامة، من التعليم والصحة إلى مستوى الدخل والبنية التحتية. وحين تتراكم هذه المؤشرات الإيجابية، يصبح من الصعب الطعن فيها إلا عبر حملات تشكيك تفتقر إلى الأدلة.
العامل الخامس يتعلق بالتحولات الاقتصادية العالمية. فالإمارات تحولت إلى مركز مالي وتجاري وسياحي عالمي، ينافس عواصم تقليدية في جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال والكفاءات. موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إلى جانب سياساتها الاقتصادية المرنة، جعلها حلقة وصل بين الشرق والغرب. وفي عالم تتصاعد فيه المنافسة على المراكز اللوجستية والمالية، لا يُستغرب أن تتكثف محاولات التشويش على هذا الدور.
سادساً، هناك البعد الإنساني والتنموي. فالإمارات لم تكتفِ ببناء نموذج داخلي ناجح، بل وسعت حضورها عبر مبادرات إنسانية وتنموية في مناطق متعددة، من دعم مشاريع التعليم والصحة إلى المشاركة في جهود إعادة الإعمار. هذا الحضور الإنساني، حين يقترن بقوة اقتصادية وسياسية، يعيد تشكيل صورة الدولة في الوعي الدولي، وهو ما قد لا يروق لأطراف تفضل احتكار أدوار التأثير.
كما لا يمكن إغفال مؤشر التزامن المريب بين بعض التقارير الإعلامية والملفات القانونية أو السياسية التي يُعاد فتحها في توقيتات حساسة. هذا التزامن يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدوافع، خاصة حين تُبنى الاتهامات على روايات يصعب التحقق من صدقيتها أو على وقائع قديمة يُعاد تقديمها في سياق جديد يخدم سردية معينة.
ورغم ذلك، فإن الفارق الجوهري بين حملات التشويه والواقع الملموس يكمن في الاستمرارية. فالدول تُقاس بمسارها الطويل لا بضجيج عابر. والإمارات، وهي تواصل استثماراتها في المستقبل، من الاقتصاد الرقمي إلى الطاقة النظيفة، تؤكد أن مشروعها ليس رد فعل على خصوم، بل رؤية استراتيجية ممتدة.
إن القمم، بطبيعتها، تجذب الأنظار والانتقادات معاً. لكنها في الوقت ذاته تظل شاهدة على أن الارتفاع لم يأتِ صدفة، بل نتيجة عمل دؤوب ورؤية واضحة. ولذلك فإن استهداف الإمارات، بكل ما يحمله من محاولات تشويه، لا يمكن فصله عن حقيقة أبسط: أن التجارب الناجحة تُقلق من لم ينجحوا بعد.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على الحقائق والإنجازات. فالصورة التي ترسخت عبر سنوات من العمل المؤسسي، والشراكات الدولية، والمبادرات الإنسانية، أقوى من أن تهزها رواية عابرة. والتاريخ، كما أثبت مراراً، ينحاز إلى من يبنون لا إلى من يشيعون الضباب.



