رأي

السودان في مرمى الحسابات الإقليمية

دكتور خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

مع انطلاق الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، يبدو واضحاً أن المنطقة برمتها دخلت طوراً من التشكيل ورسم الخرائط بالصواريخ، ويبدو أن استهداف العُمق الايراني هي استراتيجية جرى إعدادها بعناية وصمت سبق العاصفة، كان تحذير الولايات المتحدة لرعاياها بمغادرة إسرائيل على وجه السرعة قبل ساعات من الهجوم مؤشراً على أن ما يجري ليس جولة دبلوماسية، هو فصلاً من الصراع الطويل بين ايران وامريكا واسرائيل.!

وقد أعلن نتنياهو بوضوح أن العملية تستهدف إزالة التهديد (الوجودي) الذي يمثله النظام في إيران. هذا الخطاب ليس جديداً في القاموس السياسي الإسرائيلي، لكنه تجاوز حدود البلاغة إلى فعل عسكري مباشر، يضع المنطقة كلها أمام اختبار ان هذه الضربات ستبقى في العمق الإيراني، أم بداية لفعل أوسع يستهدف ما تعتبره تل أبيب (أذرع) ممتدة لطهران في الإقليم، وقد فعلت ذاتها طهران ما ترى أنه قواعد امريكية في الخليج مستهدفة دول قطر والبحرين والإمارات والكويت.

السؤال هنا استراتيجياً بإمتياز، لان العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ ضرب الرأس وقطع الأذرع، إذا ما تركزت على الداخل الإيراني، فإن المنطق السياسي الإسرائيلي سيدفع نحو توسيع الأهداف ليشمل مساحات نفوذ إيران خارج حدودها، واسرائيل لا تفصل بين المركز و الأطراف عندما يتعلق الأمر بما تعتبره تهديداً (وجودياً).

حيث برز اسم السودان على نحو لافت في تقارير صحفية إسرائيلية تتحدث عن إمتداد الخطر الإيراني إلى السودان، هذه الصحف تشير بوضوح إلى دعم عسكري قدمته طهران إلى الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وهي اتهامات تتقاطع مع تاريخ من العلاقات المعقدة بين نظام الإنقاذ الإسلاموي وإيران، حيث شكّل السودان في مراحل سابقة ممراً لوجستياً وبيئة (حاضنة) لتقاطعات أيديولوجية وعسكرية خطيرة للغاية، ولا تنظر تل أبيب إلى هذه العلاقات بوصفها شأناً سودانياً داخلياً، تنظر إليها باعتبارها جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية أوسع. وإذا كان الهدف المعلن هو تفكيك التهديد الوجودي، فإن الساحة التي توفر عمقاً أو منفذاً لإيران ستدخل دائرة الاستهداف السياسي والأمني، وهنا يكمن خطر أن تتحول الساحات الهشة إلى مسارح نارية متبادلة.!

ان التحليل السليم يفرض قراءة أبعد من اللحظة العسكرية. وامريكا المنخرطة في هذه العملية تدرك أن توسيع رقعة الاشتباك قد يشعل سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها. لكنها ترى في الضغط المتعدد وسيلة لإعادة هندسة ميزان القوى في الشرق الأوسط، وإسرائيل تميل إلى العمل الوقائي الموسّع معتبرة أن ترك (الأذرع) دون معالجة يعني إبقاء الخطر كامناً.!

بالنسبة لوضع السودان، فإن إدراج إسمه في هذا الصراع يحمل تداعيات جسيمة، لكون البلاد تعيش حالة سيولة سياسية وأمنية، وأي تموضع ضمن محور إقليمي صدامي قد يحولها إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة، والأخطر أن يُختزل السودان في نظر الفاعلين الدوليين إلى حلقة في سلسلة النفوذ الإيراني الراديكالي، وهو توصيف يُستدعى لتبرير استهدافات سياسية واقتصادية وأمنية، فالمنطقة اليوم تقف على حافة معادلة معقدة جداً، وهي عملية عسكرية عنوانها إيران لكن ظلالها ستمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي. واذا ما كانت هذه الضربات رسالة (ردع) محدودة سوف تنتهي عند حدودها. أما إذا كانت استراتيجية تفكيك شاملة، فإن الأذرع المشتبه بها ستدخل دائرة الضوء والنار.!

وفي لحظات لا مكان فيها للبراءة السياسية فإن الدول التي تقف على خطوط التماس مطالبة بقراءة المشهد بعيون باردة، فالصراعات الكبرى لا تسأل عن هشاشة الداخل، والسؤال الكبير لم يعد حول هل ستتوسع الضربات، ولكن حول من يملك القدرة على البقاء خارجها.؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!