رأي

بين عائشة البصري ورمطان لعمامرة: حين ينتصر الضمير… وحين تتراجع العدالة الدولية

عماد جدو

 

 عماد جدو

في تاريخ بعثات الأمم المتحدة إلى السودان، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تحفر مكانها في ذاكرة الضحايا لا بوصفها موظفين دوليين، بل باعتبارها شهودًا على الحقيقة. ومن بين تلك الأسماء، تظل الدكتورة عائشة البصري، الناطقة الرسمية السابقة باسم بعثة اليوناميد في دارفور، واحدة من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بموقف أخلاقي نادر في مواجهة منظومة دولية كثيرًا ما اتُهمت بالصمت والتواطؤ.

في عام 2013، اتخذت عائشة البصري قرارًا استثنائيًا بتقديم استقالة مسببة من منصبها كمتحدثة إعلامية باسم بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور (يوناميد). لم تكن الاستقالة مجرد إجراء إداري، بل كانت موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا، كشفت من خلاله ما اعتبرته فشل البعثة في نقل الصورة الحقيقية لما يجري في الإقليم، وعدم توثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، بل والتستر عليها في بعض الأحيان.

البصري، وهي مغربية من مواليد الدار البيضاء وتحمل الجنسية الأمريكية، لم تكتفِ بالصمت بعد مغادرتها، بل تحدثت بوضوح عن وجود تلاعب في التقارير، وعن ضغوط سياسية مورست داخل البعثة لتجنب إدانة حكومة الرئيس عمر البشير آنذاك. وبذلك تحولت من موظفة أممية إلى شاهد اتهام ضد المؤسسة التي كانت جزءًا منها.

وقد وجدت مواقفها صدى واسعًا وسط السودانيين، خاصة في دارفور، حيث رأى فيها كثيرون نموذجًا للمسؤول الدولي الذي انتصر للحقيقة بدلًا من الوظيفة، وللضمير بدلًا من الامتيازات. ولم يكن غريبًا أن يُطلق بعض أهالي دارفور اسم “عائشة” على بناتهم، خاصة في الأعوام التي تلت استقالتها، تعبيرًا عن الامتنان والتقدير لموقف اعتبروه تاريخيًا.

في المقابل، يأتي اسم رمطان لعمامرة، الدبلوماسي الجزائري المخضرم، الذي تم تعيينه مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، في مرحلة بالغة التعقيد عقب استقالة فولكر بيرتس، رئيس بعثة اليونيتامس. غير أن فترة لعمامرة لم تمر دون جدل، إذ اتهمه عدد من الناشطين السياسيين والقوى المدنية بالانحياز إلى سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وتجاهل القوى المدنية التي كانت جزءًا من العملية السياسية قبل اندلاع الحرب.

ورأى منتقدوه أن تحركاته وتصريحاته أسهمت في تكريس واقع سياسي مختل، بدلًا من الدفع نحو عملية سياسية شاملة ومتوازنة. وقد بلغ الاستياء حد قيام بعض الناشطين برفع مذكرات احتجاج ضده، مطالبين بمراجعته أو إنهاء مهمته، في ظل شعور متزايد بأن الدور الأممي لم يعد محايدًا كما ينبغي.

وبالفعل، تم إنهاء تكليف لعمامرة لاحقًا، وتعيين الدبلوماسي الفنلندي بيكا هافيستو مبعوثًا أمميًا جديدًا إلى السودان، في محاولة لإعادة ضبط مسار الوساطة الدولية في بلد أنهكته الحرب والانقسامات.

إن المقارنة بين عائشة البصري ورمطان لعمامرة ليست مقارنة بين شخصين فقط، بل بين نموذجين: نموذج الموظف الدولي الذي يختار الوقوف إلى جانب الحقيقة مهما كان الثمن، ونموذج الدبلوماسي الذي يجد نفسه، بحق أو بغير حق، في قلب اتهامات بالانحياز والتقصير.

في السودان، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع معاناة شعب يبحث عن السلام والعدالة، تظل المواقف الفردية ذات أثر بالغ. فالتاريخ لا يتذكر المناصب بقدر ما يتذكر المواقف. ولهذا، بقي اسم عائشة البصري حاضرًا في ذاكرة الضحايا، بينما تظل تجربة لعمامرة محل نقاش وجدل، يعكس في جوهره أزمة الدور الدولي نفسه في السودان.

في النهاية، تبقى الحقيقة المؤلمة أن العدالة الدولية ليست دائمًا عمياء، بل قد ترى أحيانًا بعين السياسة، لا بعين الضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!