رأي

التأسيس : الدولة كعقد لا غنيمة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تعجز الدولة عن تمثيل شعبها، يصبح التأسيس واجباً لا خياراً

إن الحديث عن تأسيس دولة على أسس جديدة وعادلة لا يمكن أن يُختزل في إصلاحات إجرائية أو تغييرات شكلية داخل بنية مأزومة. فالمعضلة أعمق من تبديل الحكومات أو إعادة ترتيب التحالفات؛ إنها تتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبالمنظومة المفاهيمية التي حكمت تشكّلها منذ الاستقلال. من هنا تبرز فكرة “تحالف التأسيس” بوصفها مشروعاً سياسياً يتجاوز اللحظة الراهنة، ويسعى إلى إعادة تعريف الدولة وفق معايير المواطنة والديمقراطية والعدالة المؤسسية.

لقد رسّخت عقود طويلة من الحكم أنماطاً أوليغارشية أعادت إنتاج السلطة داخل دوائر ضيقة، وحوّلت الدولة إلى مجال نفوذ تتقاسمه نخب محدودة. ومع مرور الزمن، تراكمت سرديات رسمية صاغت مفاهيم الدولة والشعب والمواطنة في إطار رمزي يخدم استمرار هذه البنية، أكثر مما يخدم بناء عقد اجتماعي حقيقي. وبذلك، لم تعد الأزمة ظرفية أو مرتبطة بفشل حكومة بعينها، بل تحولت إلى مأزق بنيوي يمس تعريف الدولة نفسها.

إن القطيعة المطلوبة ليست قفزاً في الفراغ، ولا إنكاراً للتاريخ، بل تحرراً من اختزال التاريخ في سردية واحدة. فالدولة التي تُبنى على تصورات مغلقة عن الهوية، أو على مركزية مفرطة في القرار، أو على تحالفات فوقية بعيدة عن المجتمع، تصبح دولة مأزومة في جوهرها، حتى وإن بدت مستقرة في ظاهرها. ومن ثم، فإن التأسيس الحقيقي يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة التوافق، لا الغلبة؛ وعلى قاعدة المشاركة، لا الوصاية.

تحالف السودان التأسيسي، بوصفه فكرة ومشروعاً، يمثل محاولة للخروج من مضمار الدولة المأزومة نحو أفق تعاقدي جديد. المطلوب ليس استبدال نخبة بأخرى، بل إعادة تعريف قواعد اللعبة ذاتها. وهذا يستلزم بناء عقد اجتماعي تُعرّف فيه الدولة باعتبارها مؤسسة خادمة للمجتمع، لا وصية عليه؛ مؤسسة تُدار وفق معايير الشفافية والمساءلة، وتستمد شرعيتها من رضا المواطنين وتوافقهم.

إدارة التنوع تمثل حجر الزاوية في هذا المشروع. فالسودان، بتعدده الثقافي واللغوي والديني والإثني، لا يمكن أن يُدار بعقلية الصهر أو الإقصاء، ولا عبر فرض تصور أحادي للهوية الوطنية. إن الاعتراف بالتنوع وتنظيمه في إطار قانوني عادل هو السبيل لبناء هوية جامعة تستوعب الاختلاف دون أن تذوبه. وفي هذا السياق، تصبح المواطنة معيار الانتماء الوحيد، وتتحول الدولة إلى إطار ضامن للحقوق، لا أداة لفرض الهيمنة.

غير أن التأسيس لا يكتمل بالشعارات، بل يتطلب إعادة توزيع حقيقية للسلطة والثروة، وتحريراً للمؤسسات من الهيمنة الضيقة، وتوسيعاً لقاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار. كما يتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي الثقة التي تآكلت بفعل الأزمات المتكررة وسوء الإدارة والصراعات السياسية الممتدة.

إن المشروع المدني المستقل لا يقوم على رد الفعل، بل على رؤية استراتيجية بعيدة المدى. رؤية تعترف بأن الاستقرار لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالعدالة؛ وأن الوحدة لا تُفرض بقرارات فوقية، بل تُبنى على رضا عام وشعور مشترك بالانتماء. وفي هذا المعنى، فإن تحالف التأسيس ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإطلاق مسار تاريخي يعيد تعريف الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً حياً، قابلاً للتطوير والتجديد.

التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من خطاب النقد إلى فعل البناء. فالتأسيس يتطلب شجاعة سياسية تقبل بالمراجعة، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة، وتؤمن بأن الدولة ليست ملكاً لفئة أو حزب أو جهة، بل إطاراً مشتركاً يحتضن الجميع. وإذا نجحت القوى المدنية في بلورة هذا المشروع ضمن رؤية مؤسسية واضحة، فإنها تضع الأساس لتحول نوعي يخرج الدولة من أسر الأزمات المتكررة إلى أفق الاستقرار المستدام.

في نهاية المطاف، يبقى الرهان على الإرادة الوطنية الجامعة. فالدولة التي تُبنى على قاعدة المواطنة والعدالة وإدارة التنوع بوعي ومسؤولية، هي وحدها القادرة على الصمود أمام العواصف. أما الدولة التي تكتفي بإعادة إنتاج سردياتها القديمة، فإنها تظل تدور في حلقة مفرغة. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل المشروع المدني، ويتقرر ما إذا كان التأسيس سيظل فكرة ملهمة، أم يتحول إلى واقع يعيد رسم ملامح الدولة على أسس أكثر عدلاً واتساعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!