
سهيبه مريش
لطالما شكلت الحركة الإسلامية السودانية، منذ صعودها السياسي والاجتماعي، قوة محورية ومثيرة للجدل في تاريخ السودان الحديث. لم تقتصر بصمتها على المجال الأيديولوجي، بل امتدت لتشكل النسيج السياسي والأمني والاقتصادي للبلاد لعقود طويلة. يرى الكثير من المراقبين والتحليلات السياسية أن هذه الحركة، في مسيرتها التاريخية، لم تكن مجرد قوة سياسية عادية، بل كانت محركاً أساسياً للفتن والنزاعات الداخلية، مما أدى إلى تعميق الانقسامات وإدخال السودان في دوامة التخلف السياسي والاقتصادي المتواصلة. إن فهم طبيعة حكم هذه الحركة وعواقب سياساتها هو المفتاح لفهم الأزمة الراهنة التي يعيشها السودان، بما في ذلك حرب السابع عشر من أبريل التي تُعد امتداداً لازماً لتلك الأزمات المتراكمة.
تأسست الحركة الإسلامية في السودان على أسس أيديولوجية واضحة، إلا أن تحولها إلى سلطة فعلية عبر انقلاب عام 1989 فتح الباب أمام مرحلة حكم اتسمت بالاستقطاب الممنهج. لم يكن حكم هذه الحركة يهدف فقط إلى تطبيق رؤيتها الأيديولوجية، بل تخللته ممارسات تعتمد على تصفية الخصوم السياسيين وتغيير مؤسسات الدولة بما يخدم مصالحها الضيقة، وهو ما خلق بيئة خصبة للنزاع الداخلي. كانت استراتيجية الإدارة تقوم على مبدأ فرّق تسد حيث تم استغلال التنوع الإثني والجهوي في السودان لتغذية الصراعات بدلاً من رعايتها، مما أدى إلى تهميش أطراف واسعة من المجتمع وبناء نظام إقصائي.
لقد أسهمت هذه السياسات الإقصائية في تأجيج صراعات داخلية وخارجية. فعلى الصعيد الداخلي، عززت الحركة من حدة الانقسامات المناطقية، ودفعت ببعض الأقاليم إلى حمل السلاح ضد الدولة، وهو ما تجسد بوضوح في الحرب الأهلية في جنوب السودان، والحرب في دارفور، والتي كانت نتاجاً مباشراً لسياسات التهميش والتوزيع غير العادل للسلطة والموارد التي سادت خلال فترة حكمها. هذه الحروب لم تكن مجرد نزاعات عابرة، بل كانت نتيجة حتمية لنموذج حكم غير متوازن أسس للتخلف التنموي والسياسي عبر تفضيل الولاء الأيديولوجي على الكفاءة والحكم الرشيد. إن تركيز السلطة والثروة في يد شبكة محدودة مرتبط بالحركة أدى إلى تدهور البنية التحتية والخدمات الأساسية، مما رسخ حالة التخلف الاقتصادي.
ولم تتوقف تأثيرات الحركة عند فترة حكمها المباشر، بل استمرت عبر ما يُعرف بـ الدولة العميقة التي نجحت في زرعها داخل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية. هذا الإرث المظلم هو الذي انفجر مجدداً في حرب السابع عشر من أبريل. هذه الحرب ليست سوى فصل دموي جديد في سلسلة النزاعات التي ولدتها طبيعة المؤسسات التي شيّدتها الحركة الإسلامية، حيث تداخلت المصالح الاقتصادية والفصائلية المتجذرة مع الصراع على السلطة بين مكونات المؤسسة العسكرية. إن الصراع الحالي يعكس بشكل مباشر التنافس بين الأجنحة المختلفة التي خرجت من رحم تلك المنظومة القديمة، حيث تتصارع القوى التي استولت على الموارد الاقتصادية والعسكرية خلال سنوات الحكم الإسلامي الطويلة.
إن سعي الحركة الإسلامية اليوم، من خلال أذرعها السياسية والإعلامية المختلفة، إلى العودة إلى المشهد السياسي عبر إثارة الفوضى والتضليل، يمثل محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. تهدف هذه الجهود إلى إضعاف أي محاولة جادة لبناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية. فالعودة إلى الحكم، أو حتى البقاء كقوة مؤثرة في الظل، يعني استمرارية النزاعات وإجهاض أي فرصة للتحول الديمقراطي المستدام. إن الخطاب الذي تستخدمه هذه الأطراف المضللة يركز على إثارة المخاوف الأيديولوجية والجهوية، مستغلة المأزق الأمني والاقتصادي لتقديم نفسها كمنقذ وحيد، وهو ما يتناقض كلياً مع سجلها التاريخي الحافل بالفتن والتدمير.
إن تأثير هذه الحركة على مسار التحول الديمقراطي وحكومة تأسيس الوليدة، التي جاءت بعد ثورة ديسمبر، كان سلبياً بشكل منهجي. فالتحول الديمقراطي يتطلب توافقاً وطنياً وتطهيراً لمؤسسات الدولة من النفوذ الأيديولوجي المتطرف. غير أن بقايا شبكات الحركة استطاعت تعطيل مسار التفكيك والمحاسبة، واستغلت حالة عدم الاستقرار السياسي والتحولات الدراماتيكية الأخيرة لتفكيك الإنجازات الهشة التي تحققت. إن العودة إلى المربع الأول في الحكم العسكري، أو حتى أي شكل من أشكال المشاركة المباشرة لهذه الحركة، يقوض بشكل مباشر شرعية حكومة الانتقال ويزعزع الثقة في العملية الديمقراطية برمتها. إن إدامة النزاع عبر استمرار اللاعبين الذين استفادوا من النظام القديم هو الطريق الأكيد نحو مزيد من التخلف والفوضى الشاملة.
في الختام، يمكن القول إن الحركة الإسلامية السودانية لم تكن مجرد حزب سياسي، بل كانت منظومة متكاملة لإدارة الدولة عبر أدوات الفتنة والصراع. لقد أدت سياساتها الإقصائية إلى حرب أبريل الماثلة كمثال صارخ على فشل حكمها في تحقيق الاستقرار والعدالة. واليوم، يتجلى الخطر الأكبر في محاولاتها المضللة لإعادة إنتاج هيمنتها عبر استغلال حالة الحرب والتشرذم. إن إنقاذ السودان من هذا المأزق المزمن يتطلب مواجهة شاملة وفعالة لإرث هذه الحركة ومصادر نفوذها الاقتصادي والأمني، لتمكين مسار التحول الديمقراطي من ترسيخ قواعد دولة المواطنة بدلاً من دولة الفتنة.




