رأي

ليس بالخبز وحده تُبنى الأوطان… الأمن والخدمات أساس الحياة الكريمة في زمن الحرب

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش 

ليست مقولة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» مجرد قول  مأثور أو عبارة فلسفية عابرة؛ بل هي تعبير عميق عن حقيقة الوجود الإنساني وتعقيداته. فالإنسان لا يعيش بالغذاء وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من المقومات التي تحفظ كرامته وتضمن استقرار حياته. وفي أوقات الحروب والأزمات، تتجلى هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً، حيث يصبح توفير الغذاء خطوة أولى ضرورية، لكنها لا تكفي لبناء مجتمع قادر على الصمود والاستمرار.

في مناطق النزاع، غالباً ما تتحول أولويات الحكومات والمنظمات الإنسانية إلى تأمين الغذاء ومنع المجاعة، وهو أمر بالغ الأهمية. غير أن التجربة العملية أثبتت أن الحياة لا يمكن أن تستمر على هذا الأساس وحده. فالمجتمع يحتاج، إلى جانب الغذاء، إلى خدمات أساسية وبنية تحتية قادرة على دعم الحياة اليومية، مثل المياه النظيفة، والكهرباء، والرعاية الصحية، ووسائل الاتصال. هذه الخدمات ليست ترفاً أو كماليات، بل هي شرايين الحياة التي تحفظ تماسك المجتمع وتحميه من الانهيار الصحي والاجتماعي.

إن انقطاع المياه، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى انتشار الأوبئة والأمراض بوتيرة أسرع من تأثير نقص الغذاء نفسه. كما أن تعطّل المستشفيات بسبب نقص الوقود أو انعدام الأمن يحوّلها إلى مبانٍ صامتة في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى خدماتها المنقذة للحياة. ومن هنا يتضح أن توفير الخدمات الأساسية يمثل شرطاً حاسماً لبقاء المجتمعات في مواجهة الكوارث والحروب.

إلى جانب الخدمات، يبرز الأمن كركيزة لا تقل أهمية عن الغذاء أو البنية التحتية. فالمجتمع الذي يعيش تحت تهديد دائم، حيث تغيب سيادة القانون وتعلو سلطة السلاح، لا يستطيع أن ينتج أو يتعافى اقتصادياً. الشعور بالأمان الشخصي، وحماية الممتلكات، وضمان حرية الحركة، كلها عناصر أساسية تتيح للناس استعادة حياتهم الطبيعية والتفكير في المستقبل. وعندما تفشل الدولة في توفير هذا الحد الأدنى من الأمن، فإنها تفتح الباب أمام الفوضى أو انتشار الجماعات المسلحة، وهو ما يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي ويعقّد أي جهود للإصلاح أو إعادة البناء.

في هذا السياق، تقع على عاتق الحكومة القائمة مسؤولية أخلاقية وعملية كبيرة. فإدارة الدولة في زمن الأزمات لا تعني الاكتفاء بإصدار البيانات أو إطلاق الوعود، بل تتطلب حضوراً فعلياً على الأرض وقدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس. إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تبدأ من إظهار الكفاءة في إدارة الموارد، وضمان العدالة في توزيع الخدمات، وتأمين المناطق الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون في حياتهم اليومية.

ومن الأولويات العاجلة في مثل هذه الظروف إعادة تشغيل الخدمات الأساسية بوسائل مرنة تتناسب مع واقع الحرب، مثل تأمين مصادر المياه والطاقة، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وتشكيل قوات نظامية قادرة على فرض القانون وحماية المدنيين. فكل تأخير في هذه الإجراءات لا يفاقم الأزمة الإنسانية فحسب، بل يهدد أيضاً مستقبل الاستقرار السياسي والتحول الديمقراطي.

الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الخوف واليأس. فهي تحتاج إلى مجتمع يشعر أفراده بالأمان ويتمتعون بالحد الأدنى من الخدمات التي تمكنهم من المشاركة في الحياة العامة. وعندما تعجز الدولة عن تلبية هذه الاحتياجات الأساسية، فإنها تضعف ثقة المواطنين بها، وتفتح المجال أمام نزعات الغضب والتطرف، وربما البحث عن بدائل غير ديمقراطية.

إن بناء الدولة المدنية يبدأ من بناء حياة مدنية مستقرة تحترم كرامة الإنسان وتوفر له مقومات العيش الكريم. فالخبز قد ينقذ الإنسان من الجوع، لكنه وحده لا يصنع مجتمعاً قادراً على النهوض. المجتمع يحتاج إلى الأمن والخدمات والعدالة، وهذه هي الأسس الحقيقية التي تُبنى عليها الدول وتُصان بها كرامة الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!