
فيصل أبكر شرف
يعاني العقل السياسي السوداني وتحديدا في فضاءات الحركات المسلحة من معضلة بنيوية تتجاوز صراع السلاح الى أزمة المعنى وفراغ المنهج فبينما تضخمت الترسانات العسكرية لعقود ظل المتن الفكري لغالبية هذه التنظيمات باهتا مما جعلها حركات مطلبيه تنتهي طموحاتها عند عتبات المحاصصة وتفتقر للقدرة على مقارعة الأيديولوجيات التي شيدتها النخبة النيلية وأحزابها العقائدية التي أحكمت قبضتها على تاريخ السودان المعاصر
إن الصراع في السودان لم يكن يوما عسكريا فحسب بل هو صراع بين مشاريع وهنا تبرز تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان كنموذج للمدرسة المعرفية المستمرة فمنذ اللبنة الأولى التي وضعها الدكتور جون قرنق وصولا الى الصلابة الأيديولوجية التي يمثلها القائد عبد العزيز آدم الحلو ظل الكتاب يسند البندقية هذه المدرسة نجحت في بناء كادر عقائدي يمتلك رؤية فلسفية عميقة حول العلمانية والمواطنة وهو ذات النهج الذي حافظت عليه حركة عبد الواحد محمد نور حيث تجد لدى منسوبيها اتساقا فكريا وممانعة معرفية تجعلهم عصيين على الذوبان في مشاريع الآخرين
في المقابل يبرز المأزق الكبير فيما تبقى من حركات سقطت في فخ العسكرة الجوفاء فغياب المنتديات الفكرية وإهمال بناء الكادر معرفيا جعل هذه التنظيمات تفتقر للمصل الوقائي ضد الاستقطاب ونجد تجلي ذلك بوضوح في مواقف قادة مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم فهؤلاء الذين قضوا سنوات في قتال المركز ارتدوا غريزيا للتحالف معه في الحرب الراهنة هذا الارتداد ليس مجرد تكتيك بل هو انعكاس للفراغ الفكري فحين يغيب المشروع البديل في عقل القائد يصبح البحث عن الموقع داخل هيكل السلطة القديم هو الغاية القصوى حتى وإن كان ذلك بالتحالف مع الجلاد
وسط هذا الركام تبرز بارقة أمل يقودها الدكتور سليمان صندل رئيس حركة العدل والمساواة السودانية الذي أحدث قطيعة معرفية مع الفكر المطلبي متجها نحو صياغة مشروع فكري استراتيجي يتمثل في الجمهورية الثانية إن طرحه للفيدرالية الحقيقية يمثل صحوة معرفية تجد سندا قويا وضمانة سياسية ضمن تحالف تأسيس هذا التحالف الذي يضم قادة يحملون مشاريع وطنية رصينة ومدارس فكرية واعدة مثل الدكتور الهادي إدريس والأستاذ الطاهر حجر الذين يساهمون بفعالية في صياغة هذا البديل التاريخي
إن انضواء هذه القوى تحت لواء تأسيس يمثل الإجابة العملية على أزمة الفراغ الفكري فهو تحالف يضع الفكرة قبل البندقية ويطرح مشروعا متكاملا لبناء دولة المواطنة التي لا تميز بين السودانيين على أساس العرق أو الجغرافيا إن الدرس الذي يجب أن يعيه القارئ اليوم هو أن الوعي الذي يبنيه الدكتور سليمان صندل ورفاقه في تأسيس هو الضمانة الوحيدة لكسر طوق التبعية للنخب العقائدية القديمة والانتقال بالسودان من عهد الحروب العبثية الى فجر الدولة المؤسسية والفيدرالية الحقيقية التي يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون والفكرة الواحدة




