رأي

مشروع قرار الاتحاد الأوروبي ضد قوات الدعم السريع.   

عماد ابكر جدو

                                        

​ عماد ابكر جدو

​في خطوة أثارت الكثير من الجدل والأصداء السياسية، في العاصمة بروكسل . صوّت البرلمان الأوروبي بالأمس على مشروع قرار يدعو إلى إدراج قوات الدعم السريع السودانية على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، مع فرض عقوبات مشددة ومساءلتها عن الجرائم المرتكبة في الصراع السوداني الحالي. هذا التحرك، وإن بدا حاسماً في ظاهره، يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول دوافعه الحقيقية، ومستقبل العلاقة “البرغماتية” القديمة التي ربطت بروكسل بهذه القوات في ملفات شائكة كالهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.

​بين توصية البرلمان والقرار التنفيذي: القيمة القانونية والسياسية

​من الناحية الهيكلية داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، من الضروري التمييز بين أمرين: توصية البرلمان والقرار النهائي لمجلس الاتحاد الأوروبي.

​أثر سياسي ودبلوماسي: القرار الصادر بالأمس ليس ملزماً بشكل فوري، فإدراج أي جهة على قائمة الإرهاب يتطلب إجراءات قانونية معقدة وتوافقاً وإجماعاً من مجلس الاتحاد الأوروبي (الذي يمثل حكومات الدول الأعضاء).

​عزلة دولية: بالرغم من ذلك، يحمل القرار دلالة سياسية قوية؛ فهو يزيد من العزلة الدولية لقوات الدعم السريع، ويُصعّب تحركاتها المالية والدبلوماسية المستقبلية إذا ما تُرجم لاحقاً إلى قرار تنفيذي ملزم.

​هل يوقف الحرب؟ يرى المراقبون أن القرار وحده لن يوقف الحرب في السودان. هو يمثل ورقة ضغط قوية على أحد أطراف الصراع، لكن إنهاء النزاع يتطلب ضغوطاً متوازنة على كافة الأطراف، ووقف تدفق السلاح، وتوافقاً إقليمياً ودولياً. لذا، فإن تأثيره على مسار المعارك سيكون غير مباشر وليس حاسماً بالضرورة.

​ظلال الماضي. الشراكة السرية والمعلنة في مكافحة الهجرة

​لا يمكن قراءة هذا المقترح بمعزل عن التاريخ المعقد والتقاطعات القديمة بين الاتحاد الأوروبي وقوات الدعم السريع. فمنذ سنوات، وضمن ما عُرف بـ (عملية الخرطوم) للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا عبر الصحراء وليبيا، كانت قوات الدعم السريع بمثابة “حارس البوابة” غير الرسمي في القرن الأفريقي.

​هذه التقاطعات، التي تمثلت في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة المنظمة، أوجدت نوعاً من الشراكة الواقعية (De facto) بين الطرفين. ورغم الانتقادات الحقوقية الواسعة التي وُجهت لبروكسل حينها بالتعامل مع فصيل مسلح، إلا أن المصالح الأمنية الأوروبية طغت على الملف الحقوقي لسنوات، وهو ما يجعل هذه العلاقة ذات جذور ممتدة ومستمرة بشكل أو بآخر حتى اليوم.

​الدوافع الحقيقية وراء المقترح: مبادئ أم مناورات؟

​يطرح التوقيت المفاجئ لهذا المقترح تساؤلاً جوهرياً: ما الذي تغير الآن؟ تتباين القراءات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك الأوروبي.

​الضغط الأخلاقي والحقوقي. تصاعد وتيرة الانتهاكات التقارير الدولية الصادمة حول الوضع الإنساني في السودان شكّل ضغطاً هائلاً على البرلمانيين الأوروبيين بضرورة اتخاذ موقف حازم يتماشى مع القيم المعلنة للاتحاد الأوروبي.

​سياسة الابتزاز السياسي.يرى جانب من المحللين أن القرار قد لا يكون رغبة حقيقية في القطيعة بقدر ما هو “مناورة سياسية” وورقة ضغط جديدة لجر قوات الدعم السريع إلى طاولة المفاوضات بشروط دولية محددة.

​مستقبل حليف أصيل.بالنظر إلى التاريخ المشترك، يراهن البعض على أن قوات الدعم السريع، باعتبارها كانت “شريكاً أصيلاً” في ملف الهجرة الحساس لأوروبا، قد تستخدم هذا الكارت لإعادة فتح قنوات التواصل والتفاوض خلف الكواليس مع القادة الأوروبيين لتخفيف حدة هذه القرارات ومقايضتها بالملفات الأمنية المشتركة.

​يمثل قرار البرلمان الأوروبي تحولاً سياسياً بارزاً ورسالة بالغة الشدة، لكنه لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الدعم السريع، ولا يعني تلقائياً إسقاط مشروعها السياسي أو وقف الحرب فوراً. التقييم الحقيقي والفعلي لهذا التحرك سيظهر في الفترة المقبلة، وتحديداً إذا ما تبعه قرار تنفيذي صارم من مجلس الاتحاد الأوروبي، ومواقف متطابقة من واشنطن وعواصم القرار الدولي، أو إذا ما أثبتت الأيام أن القرار كان مجرد جولة مناورة جديدة في كتاب العلاقات الدولية البرغماتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!