سلسلة كشف المستور (8) ملف الإعلام: “هندسة الدونية” الضحك على الجراح كيف اغتالت الدراما كرامة “الهامش” وحولت الضحية إلى “مهرج”؟
مجدي محمد مصطفي ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
أخطر أنواع السموم هو الذي تتجرعه وأنت تبتسم. وأخطر أنواع الإهانات هي تلك التي تأتيك مغلفة بـ “نكتة”.
لعقود طويلة، جلس الشعب السوداني أمام التلفزيون القومي يضحك ملء شدقيه على “الاسكتشات” الكوميدية والمسلسلات الدرامية. كنا نضحك، ولم نكن ندرك أننا نتعرض لأكبر عملية “اغتيال معنوي” في التاريخ.
لم تكن تلك الدراما “فناً بريئاً”، بل كانت امتداداً لسياسة “الأبارتهايد المنقب”. كانت وظيفتها الأساسية هي: توزيع الأدوار الاجتماعية وترسيخ “الصورة النمطية”.
من هو “السيد”؟ ومن هو “الخادم”؟ ومن هو “المهرج”؟
الإجابة كانت تأتينا كل ليلة عبر الشاشة، حتى استقرت في العقل الباطن كحقائق مطلقة.
1. توزيع الأدوار: “الأفندي” في المكتب.. و”الغرابي” في البوابة
خلونا نكون واضحين “دبر عنزاي”، ونفتح ملف المسكوت عنه. راجعوا شريط الذاكرة للدراما السودانية منذ الستينات و السبعينيات الى اليوم.
كيف يتم توزيع الأدوار؟
ابن الوسط (النيلي): هو دائماً الطبيب، المهندس، المدير، الضابط الحازم، أو “الأب الحكيم” الذي يحل المشاكل. يظهر بملابس نظيفة، لغة عربية مقعرة، ووقار مصطنع.
ابن الهامش (الغرب/الجنوب/الشرق): أين مكانه في الإعراب الدرامي؟
هو “الغفير” (حارس البوابة) الساذج. هو “الطباخ” أو “الخادم” المطيع. هو البدوي الساذج الذي يُضحك الناس بلكنته،
هو “العسكري” (المراسلة) الذي ينفذ الأوامر بغباء يضحك الجمهور.
أو هو “الدجال” والمشعوذ.
هذا التنميط ليس صدفة. هذا “تخطيط خبيث”.
الرسالة التي يرسلها التلفزيون للطفل في دارفور وكردفان و الشرق أو جبال النوبة هي: “يا بني، مهما تعلمت، ومهما كبرت، فإن سقف طموحك هو بوابة الأفندي، أو مطبخ سيده. أنت خُلقت لتخدم، وهم خُلقوا ليحكموا.”
2. السخرية من “اللكنة”، عنصرية بامتياز
في الكوميديا العالمية، الضحك ينبع من “الموقف”. أما في كوميديا “دولة 56″، الضحك ينبع من “الاحتقار”.
كانت “القفشة” Punchline دائماً تدور حول سخرية الممثل من “لهجة” شخصية الغرابي أو الجنوبي. أو عرب الجزيرة أو “عرب الشتات ” أو ادروب،
تكسير اللغة العربية، والخلط بين المذكر والمؤنث، “شيف” لم يكن يُقدم كـ “تنوع لغوي” طبيعي، بل كدليل على “الغباء” و “التخلف العقلي”. لقد جعلوا من لغاتنا ولهجاتنا مادة للتندر.
أقنعوا المجتمع بأن الذكاء مرتبط بـ “اللسان العربي المبين” (لسان أم درمان)، وأن الغباء والسذاجة مرتبطان بـ “الرطانة”.
هذه ليست كوميديا.. هذه “عنصرية لغوية” تهدف لكسر كبرياء الإنسان غير العربي، و كسر كبرياء عرب البوادي، لكي يخجل من صوته، ويحاول تقليد جلاده لكي يُقبل في المجتمع.
3. “مضحكو السلطان”، جريمة الممثلين
المأساة لم تكن في الكتاب والمخرجين (الأفندية) فقط، بل كانت في بعض الممثلين المنحدرين من الهامش أنفسهم.
لقد قبل بعضهم أن يلعب دور “مهرج البلاط”.
قبلوا أن يظهروا في أدوار “السكير”، “الغبي”، أو “الخادم”، أو “المشعوذ” مقابل فتات المال والشهرة الزائفة التي يمنحها لهم المركز.
شاركوا في الجريمة ضد أهلهم. ساهموا في تثبيت الصورة النمطية التي تقول إن “هذه الأشكال” (كما سمتهم المحامية أمال الشيخ) هي مادة للضحك وليست مادة للقيادة.
حتى الرموز الكوميدية الكبيرة (دون ذكر أسماء، فالكل يعرفهم) بنوا مجدهم على “الكاريكاتير” المسيء لإنسان الأقاليم.
كانوا يضحكون “علينا”، لا “معنا”.
4. “الدراما” كأداة تبرير للإبادة
عندما تندلع الحروب في الهامش، يكون العقل الجمعي للشمال النيلي (المركز) مجهزاً نفسياً لتقبل إبادة هؤلاء الناس. لماذا؟
لأن الدراما قامت مسبقاً بنزع “الجدية” و”الإنسانية” عنهم.
المواطن في الخرطوم لا يرى في ابن دارفور “شريكاً في الوطن” أو “إنساناً مساوياً له”، بل يرى فيه ذلك “الغفير الساذج” الذي كان يضحك عليه في المسلسل.
من السهل أن تقتل شخصاً اعتدت أن تحتقره.
الدراما هي التي مهدت الأرضية النفسية للإبادة. هي التي جعلت دماء الهامش “رخيصة” في نظر المركز، لأنهم في اللاوعي مجرد “كومبارس” في مسرحية الحياة، وليسوا أبطالاً.
5. كسر “المرايا المشوهة”
يا سادة، توقفوا عن الضحك. النكتة انتهت، والدم يسيل للركب.
ما تشاهدونه على شاشاتهم ليس فناً، بل هو “برمجة للدونية”.
نحن في مشروع التأسيس الجديد، لا نحتاج فقط لإسقاط الحكومة، بل نحتاج لإسقاط “النص الدرامي” للدولة.
يجب أن يظهر ابن الهامش في دور “الرئيس”، ودور “العالم”، ودور “البطل”.
يجب أن نسمع لهجاتنا ولغاتنا في نشرات الأخبار الرئيسية بفخر، لا في فقرات الفكاهة.
يجب أن نحطم هذه “المرايا المشوهة” التي صنعها الأفندي ليريننا فيها كـ “مسوخ”.
نحن لسنا مادة للضحك. نحن مادة للتاريخ، ومادة للتغيير، ومادة للقوة.
ومن يضحك أخيراً.. يضحك كثيراً.
#الأبارتهايد_المنقب
#الضحك_على_الجراح
#هندسة_الدونية
المقال القادم، الثالث في ملف الإعلام، سينتقل من الكوميديا “التراجيديا”، لنتناول (ساحات الفداء) والأناشيد الجهادية، وكيف استخدموا الدين والمونتاج لصناعة “الغول” وشيطنة الضحية لتبرير قتلها.



