
نجم الدين دريسة
السلام ليس غياب الصراع فحسب، بل هو القدرة على التعامل معه بوسائل عادلة ومسؤولة … نيلسون مانديلا
لا يزال المقترح الأمريكي الرامي إلى إنهاء الحرب في السودان معلقاً في الهواء، رغم ما يحمله من عناصر يمكن أن تمثل بداية حقيقية لمسار السلام في البلاد. فالخطة التي قدمتها الولايات المتحدة بدعم من دول الآلية الرباعية تقوم على خطوات متدرجة تبدأ بهدنة إنسانية عاجلة، تتبعها ترتيبات لوقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقال سياسي تقود إلى إعادة إعمار البلاد ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.
هذه المبادرة، في جوهرها، ليست مجرد مقترح سياسي عابر، بل محاولة دولية لوقف واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخ السودان الحديث. فبعد نحو ثلاثة أعوام من القتال، أصبح السودان يواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة، وانهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة، ونزوحاً وتشريداً لملايين المواطنين. لذلك كان من الطبيعي أن تجد المبادرة اهتماماً دولياً وإقليمياً واسعاً باعتبارها فرصة لفتح نافذة نحو السلام.
غير أن ردود الفعل الصادرة عن سلطة بورتسودان كشفت مرة أخرى عن حالة التعنت السياسي التي ظلت تطبع مواقف هذه السلطة منذ اندلاع الحرب. فقد جاءت تصريحات رئيس وزرائها كامل إدريس، الذي وصفه كثيرون بالعوقة المخبول، لتؤكد رفض حكومته لأي هدنة لا تتطابق مع شروطها الخاصة، في موقف يعكس إصراراً واضحاً على استمرار النهج الذي أطال أمد الحرب وأدخل البلاد في هذا النفق المظلم.
ولم تقف هذه المواقف عند هذا الحد، بل جاءت تصريحات وزير خارجية حكومة الأمر الواقع، المعروف بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، لتضيف مزيداً من الغموض والتصلب إلى المشهد، عندما أعلن رفض أي ضغوط دولية تتعلق بمسار التفاوض. وهي تصريحات تعكس في جوهرها استمرار العقلية التي اختطفت مؤسسات الدولة السودانية لسنوات طويلة، وجعلت من الصراع وسيلة للحفاظ على النفوذ السياسي بدلاً من البحث عن حلول تنقذ البلاد.
في المقابل، تشير مجمل التصريحات الصادرة عن تحالف تأسيس وحكومة السلام والوحدة إلى تعاطٍ مختلف مع المبادرات الدولية، يقوم على قدر أكبر من المسؤولية والمرونة السياسية. فهذه التصريحات، على الرغم من تحفظاتها الطبيعية، لم تذهب إلى رفض المبادرة من حيث المبدأ، بل أكدت ضرورة الاطلاع على تفاصيلها والتعامل معها بما يخدم مصالح الشعب السوداني.
هذا الفرق في التعاطي ليس مجرد تفصيل سياسي عابر، بل يعكس اختلافاً عميقاً في الرؤية تجاه مستقبل السودان. فبينما يبدو أن سلطة بورتسودان ما تزال أسيرة الحسابات الضيقة التي تحكمها جماعات الإسلام السياسي، تحاول القوى الأخرى التعاطي مع المبادرات الدولية باعتبارها فرصة لوقف النزيف الوطني المستمر.
إن السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من التعنت أو المزايدات السياسية. فالحرب التي اندلعت في أبريل لم تترك بيتاً إلا وطرقته المأساة، ولم تبقِ مدينة إلا وطالتها آثار الدمار. لذلك فإن أي مبادرة يمكن أن تفتح الطريق نحو وقف القتال يجب أن تُناقش بروح المسؤولية الوطنية، لا بعقلية الرفض المسبق أو الهروب إلى الشعارات.
لقد أثبتت التجربة السودانية عبر عقود طويلة أن إطالة أمد الصراعات لا تنتج سوى مزيد من الانقسامات والتشظي، وأن السلام مهما كان صعباً يظل أقل كلفة من الحرب. ومن هنا فإن التعاطي الإيجابي مع المبادرات الدولية ليس ضعفاً سياسياً كما يحاول البعض تصويره، بل هو تعبير عن إدراك عميق لمصالح الشعب والوطن.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تستمر قوى التعنت في جر البلاد نحو مزيد من الخراب، أو تنتصر إرادة السلام التي تبحث عن مستقبل مختلف للأجيال القادمة.




