رأي

إذا صلح القضاء صلحت ركيزة الدولة السودانية الجديدة ومفتاح نهضتها

صديق اندر 

 

صديق اندر 

تُعد العدالة نبض الأمم وروح الدول، فبها تستقيم الحياة وتزدهر المجتمعات. وفي غمار التحولات العميقة التي يشهدها السودان، حيث تتطلع الأنظار إلى بناء دولة جديدة، قوية، عادلة، وديمقراطية، يبرز القضاء كحجر الزاوية الذي لا غنى عنه. فمقولة “إذا صلح القضاء صلحت بقية أجهزة الدولة” ليست مجرد حكمة عابرة، بل هي حقيقة تاريخية وواقعية أثبتتها تجارب الأمم عبر العصور.

لقد عانى السودان طويلاً من تسييس القضاء وتطويعه لخدمة أجندات الأنظمة المتعاقبة، مما أفقده استقلاليته وهيبته، ونسف ثقة المواطن في قدرته على إنفاذ الحق. كانت أحكام “محكمة الإنقاذ الدستورية”، التي استشهد بعض الزملاء الكتاب الاجلاء، شاهدًا صارخًا على هذا الانحدار؛ أحكام بررت التعذيب، وشرعت الرقابة، واعتبرت الاعتقال التعسفي أمرًا معقولاً. هذه الممارسات لم تكن مجرد أخطاء قضائية، بل كانت معاول هدم للمجتمع، أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتغذية ثقافة الإفلات من العقاب، وتعميق جراح الظلم.

إن الدرس المستفاد من الماضي الأليم واضح: لا يمكن لأي دولة أن تنهض أو تستقر دون قضاء مستقل، نزيه، وفعال. فما هي الأسس التي يجب أن تقوم عليها هذه المنظومة القضائية الجديدة في السودان، وكيف يمكن الاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المضمار؟

أولاً: الاستقلالية المطلقة:

يجب أن يكون القضاء مستقلًا تمامًا عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. هذا يتطلب ضمانات دستورية وقانونية تمنع أي تدخل في عمل القضاة، سواء في تعيينهم، ترقيتهم، نقلهم، أو عزلهم. يجب أن يتمتع القضاة بحصانة تامة أثناء أدائهم لمهامهم، وأن تكون معايير الكفاءة والنزاهة هي الوحيدة التي تحكم مسارهم المهني. تجارب دول مثل ألمانيا وكندا، حيث تُكفل استقلالية القضاء عبر آليات دستورية صارمة ومجالس قضاء عليا مستقلة، تقدم نموذجًا يحتذى به.

ثانياً: الكفاءة والنزاهة:

لا يكفي أن يكون القاضي مستقلاً، بل يجب أن يكون كفؤًا ومؤهلاً تأهيلاً عاليًا، ويتمتع بأعلى درجات النزاهة والأمانة. يتطلب ذلك إصلاحًا شاملاً لمؤسسات التعليم القانوني، ووضع معايير صارمة لاختيار القضاة وتدريبهم المستمر. يجب أن تكون هناك آليات فعالة لمكافحة الفساد داخل المنظومة القضائية، ومحاسبة أي قاضٍ يثبت تورطه في ممارسات غير أخلاقية.

ثالثاً: العدالة الناجزة والشفافية:

بطء التقاضي من أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة القضائية. يجب أن تسعى الدولة السودانية الجديدة إلى تحقيق العدالة الناجزة، عبر تبسيط الإجراءات القضائية، وتحديث البنية التحتية للمحاكم، واستخدام التقنيات الحديثة. كما أن الشفافية في عمل المحاكم، وإتاحة المعلومات للجمهور (مع مراعاة خصوصية الأفراد)، تعزز الثقة وتمنع الشبهات.

رابعاً: القضاء الدستوري كصمام أمان:

يجب أن تكون المحكمة الدستورية هي الحارس الأمين للدستور وحقوق المواطنين. يجب أن يتم اختيار أعضائها بعناية فائقة، بناءً على خبرتهم القانونية العميقة واستقلاليتهم المشهودة. يجب أن تكون قراراتها ملزمة لجميع سلطات الدولة، وأن تكون قادرة على إلغاء أي قوانين أو قرارات تتعارض مع الدستور. تجربة جنوب أفريقيا بعد حقبة الفصل العنصري، حيث لعبت المحكمة الدستورية دورًا محوريًا في ترسيخ الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، تقدم مثالاً ساطعًا.

خامساً: العدالة الانتقالية:

في سياق ما بعد الصراع، لا يمكن إغفال دور العدالة الانتقالية في جبر الضرر، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. يجب أن تكون هناك آليات قضائية شفافة ومستقلة للتحقيق في الجرائم الماضية وتقديم الجناة للعدالة، مع ضمان حقوق الضحايا في الإنصاف والتعويض. هذا لا يعني الانتقام، بل يعني إرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وهو أساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.

إن بناء قضاء قوي ومستقل ليس رفاهية، بل هو ضرورة وجودية للدولة السودانية الجديدة. عندما يثق المواطن في عدالة القضاء، فإنه يثق في الدولة بأكملها. عندما يرى أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، فإنه يشعر بالانتماء والمسؤولية. وعندما يكون القضاء قادرًا على حماية الحقوق والحريات، فإنه يمهد الطريق للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إنها دعوة للحكام الجدد، ولجميع القوى الوطنية، الحية الاهتمام بالقضاء والسلك القضائ وكل العاملين ومنفذى القانون من قضاة ووكلاء النيابات والمحامين وشرطة المحاكم والسجون وكل مايتعلق بالقضاء وذلك بتوفير احتياجاتهم وزيادة دخلهم وتعليم ابناءهم

حتى لانترك ثقب يدخل شيطان الفساد من خلاله

وكذلك تكون العقوبة لرجل السلك القضائ تكون مضاعفة وقوية وحاسمه

ونواصل

صديق اندر

يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!