رأي

تحليل خطابات قيادات الجيش السوداني ودلالاتها على مسار النزاع والتصعيد.

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش 

تمثل التصريحات الصادرة عن قيادات الجيش السوداني، لا سيما تلك التي أدلى بها ياسر العطا، أحد أبرز المؤشرات على طبيعة المسار الذي يسلكه النزاع الحالي في السودان. هذه التصريحات، التي وُصفت بكونها متطرفة وعوجاء ورعناء، لا تبدو وكأنها دعوات للتهدئة أو السعي نحو حلول سياسية مستدامة، بل هي في جوهرها وقود لمزيد من التصعيد العسكري والأيديولوجي. إن تحليل هذه الخطابات يكشف عن استراتيجية تهدف إلى تعبئة قواعد محددة مع محاولة في الوقت ذاته تضليل المجتمع الدولي والشعب السوداني حول حقيقة القدرات العسكرية والواقع الميداني المتغير.

من الواضح أن الخطاب المتشدد الذي يتبناه بعض قادة الجيش يخدم غرضين رئيسيين. الأول هو تثبيت الجبهة الداخلية المتماسكة جزئياً داخل المؤسسة العسكرية عبر استخدام لغة الاستقطاب وتصوير الصراع على أنه معركة وجودية ضد قوى الشر المتمثلة في قوات الدعم السريع وحلفائها. هذا النوع من الخطاب يغذي الروح القتالية لدى الأفراد ويبرر استمرار الحرب، حتى لو كانت تكاليفها باهظة على المدنيين والبنية التحتية للدولة. فالتصريحات التي تتسم بالغلظة والعناد، والتي ترفض أي تنازلات جوهرية، هي في الحقيقة انعكاس لعدم اليقين الاستراتيجي وربما محاولة لتعويض تراجع ميداني عبر رفع سقف الخطاب السياسي والعسكري.

أما الوعد بدمج القوات المساندة من حركات أخرى، وهو ما أشار إليه العطا، فيبدو من منظور المراقبين والمحللين أنه يندرج في إطار التخدير العام والتلاعب بالوعود السياسية. في سياق حرب أهلية مستمرة، وتراشق الاتهامات بالخيانة والعمالة، فإن مثل هذه الوعود تبدو سطحية وهشة. إن دمج قوات مساندة يتطلب إطارا سياسيا واضحا ومؤسسات دولة قادرة على استيعابهم وتنظيمهم وفق عقيدة عسكرية موحدة، وهو ما يفتقر إليه السودان حالياً. يهدف هذا التعهد إلى جذب ولاءات إضافية قصيرة المدى، أو لتعويض النقص العددي المحتمل في صفوف الجيش النظامي، لكنه في الوقت ذاته يعمق من تعقيد المشهد الأمني المستقبلي إذا ما وضعت الحرب أوزارها.

إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بالقدرة العسكرية الفعلية للجيش على حسم الصراع عسكرياً، كما تدعي قياداته. ففي مقابل هذه التصريحات الواثقة، يواجه الجيش واقعاً ميدانياً معقداً. لقد أثبتت قوات الدعم السريع قدرة تنظيمية ومرونة تكتيكية مكنتها من تحقيق فتوحات ملحوظة في مناطق استراتيجية مختلفة من البلاد. هذه الفتوحات لم تقتصر على مناطق النفوذ التقليدي، بل امتدت لتشمل السيطرة على أجزاء واسعة من الخرطوم وولاية الجزيرة، مما يمثل ضربة قاصمة للادعاءات بقدرة الجيش على حماية كامل التراب الوطني.

الأمر الأكثر دلالة هو التحالف الواسع الذي استطاعت قوات الدعم السريع بناءه، والذي يتمثل فيما وصف بـ المريدين من كل بقاع السودان من أهل الهامش العريض هذا التوسع في قاعدة الدعم يعني أن الصراع لم يعد مجرد خلاف بين مؤسستين عسكريتين، بل تحول إلى مواجهة أوسع تتشابك فيها أبعاد تاريخية واجتماعية تتعلق بالتهميش المزمن وإقصاء سكان الأطراف عن سلطة القرار المركزي. عندما يتمكن طرف من حشد هذا القدر من الدعم الشعبي، حتى لو كان مدفوعاً باليأس أو التطلع للتغيير، فإن فكرة القضاء التام على هذا الطرف عسكرياً تصبح حلماً بعيد المنال، إن لم تكن وهماً خطيراً.

لذا، يقع على عاتق المجتمع الدولي، بمؤسساته الدبلوماسية والرقابية، مسؤولية كبيرة في تجاوز الخطاب التضليلي الصادر عن قيادات الجيش. يجب إدراك أن الأصوات التي تدعو إلى التصعيد والتصلب هي ذاتها التي تقف عقبة أمام أي مسار للسلام الحقيقي. إن إدراك من هم أعداء السلام يتطلب النظر إلى الأفعال وليس الأقوال؛ فمن يرفض الوساطات الجادة، ومن يستمر في استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، ومن يقدم وعوداً فضفاضة لا سند لها في الواقع، هو من يعمق الأزمة.

إن التصريحات المتطرفة، بدلاً من أن تعزز موقف الجيش، قد تزيد من عزلة السودان دولياً وتصعب من مهمة أي جهة وساطة تسعى للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار. إن استمرار الاعتماد على لغة التهديد والوعيد العسكري يعكس قصوراً في الرؤية الاستراتيجية، حيث يتم تجاهل حقيقة أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها تحقيق استقرار دائم عندما يكون الخصم يتمتع بدعم شعبي متنامٍ ووجود ميداني راسخ.

في الختام، تشير تصريحات ياسر العطا وغيرها من القيادات العسكرية إلى استمرار نهج التصعيد الذي يزيد من تآكل الدولة السودانية المتهالكة بالفعل. إن الوعود بدمج القوات هي تكتيكات تخديرية لا تغير من جوهر الأزمة، وهي مصممة لإبقاء الصراع مشتعلاً تحت ذريعة الحسم العسكري. في المقابل، أثبتت قوات الدعم السريع أنها قوة فاعلة ذات قاعدة دعم واسعة، مما يجعل الحسم العسكري الذي يلوح به الجيش غير واقعي في المدى المنظور. يتطلب إنهاء هذا النزاع من المجتمع الدولي والشعب السوداني تجاوز هذا الخطاب المتطرف والاعتراف بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية سياسية شاملة تعترف بالواقع الميداني وقوى التغيير الفاعلة، بدلاً من التمسك بأوهام الانتصار المطلق الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والتعقيد الأمني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!