الدبلوماسية السودانية بين الحرب واختطاف الصوت: من يملك حق تمثيل السودان في الخارج؟
منال علي محمود

منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في السودان لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بل تحولت إلى صراع على الدولة نفسها من يعرّفها ومن يتحدث باسمها ومن يصوغ صورتها خارجياً.
في هذا السياق تبرز الدبلوماسية كأحد أهم ميادين هذا الصراع حيث لا يعود التمثيل الخارجي وظيفة إدارية بل جزءاً من معركة أوسع على الرواية والشرعية.
محمد الفكي سليمان عضو لجنة إزالة التمكين التي استأنفت عملها مؤخراً ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية والدعم الدولي لمسار التحول تحدث في مؤتمر صحفي رداً على تصريحات منسوبة للبرهان حول موقع الإسلاميين داخل الدولة.
وأشار إلى أن السلك الدبلوماسي يضم إعداداً تتجاوز المائة بعشرات من منسوبي التيار الإسلامي ضمن شبكة تشكلت خلال فترة الحكم السابق واستمرت داخل مؤسسات الدولة بما في ذلك التمثيل الخارجي.
وأضاف أن هذا الامتداد لا يتوقف عند وزارة الخارجية بل يمتد إلى مؤسسات مالية من بينها البنك المركزي بما يعكس استمرار تداخل الإرث السياسي السابق مع أجهزة الدولة في لحظة حرب.
هنا يتحول السؤال من أرقام وانتماءات إلى بنية أعمق من يملك القدرة على تركيب الخطاب الرسمي للسودان في الخارج في لحظة تعاد فيها هندسة الدولة نفسها.
الدبلوماسية في هذا السياق لم تعد مرآة للدولة بل ساحة لإنتاج الرواية خطاب الخارج يصبح امتداداً لتوازنات الداخل لا تعبيراً محايداً عنه.
وفي المقابل يعيش السودانيون تحت حرب ممتدة وانهيار واسع في الخدمات مع شعور متزايد بأن صوتهم لا يُنقل كما هو وأن صورتهم تمر عبر طبقات سياسية ومؤسسية تعيد مونتاجها قبل وصولها إلى العالم.
هذا الفجوة تفتح سؤالاً حول المجتمع الدولي ومدى قدرته على قراءة تعقيدات المشهد السوداني بعمق أكبر، في ضوء تجربة سابقة تمكن فيها السودان من التكيف مع العقوبات الدولية وإعادة التموضع السياسي والاقتصادي. وبين هذه الخبرة التاريخية وتوقعات السودانيين اليوم، يتشكل سؤال حول طبيعة الاستجابة الدولية: هل تكتفي بإدارة الأزمة، أم تعيد تقييم أدواتها في التعامل مع دولة راكمت خبرة في تجاوز الضغوط الدولية.
وفي الوقت نفسه تتحرك أدوات التأثير الخارجي في مساحة أكثر تعقيداً حيث برزت الإشارة إلى التعاقد مع شركة ضغط في الولايات المتحدة في محاولة لصناعة صورة سياسية محددة عن السودان وجرى التوقيع عبر سفير السودان في واشنطن وهو مثال مباشر على تلاقي المال مع الصوت حيث يتحول التمويل إلى أداة لإعادة تشكيل الخطاب داخل الفضاء الدولي وليس فقط نقله.
ومع استمرار هذا التشابك يصبح الجدل حول بنية الدولة أكثر من مجرد خلاف سياسي إنه صراع على مراكز التأثير داخل مؤسساتها وعلى قدرة أي طرف على توجيه خطابها الرسمي في الداخل والخارج.
في النهاية لا يعود السؤال فقط من يحكم السودان بل يصبح السؤال الأدق من يملك حق تعريف السودان في لحظة الحرب.
وفي هذا الفراغ بين الداخل والخارج بين الصوت وصناعته تبقى الدبلوماسية جزءاً من معركة أكبر معركة على الرواية نفسها وعلى حق المجتمع في أن يُسمع كما هو لا كما يُعاد تشكيله.




