رأي

٨ مارس يوم المرأة العالمي

أ.رجاء بشير ،، واشنطن

 

أ.رجاء بشير – واشنطن

يقول الأستاذ محمود محمد طه: “المرأة أكبر مظهر للمجتمع الناهض ، المنمي ، في كمه وكيفه..” -كتاب الدين والتنمية الإجتماعية. 

يؤكد شعار اليوم العالمي للمرأة لعام 2026 *”العطاء من أجل المكسب”* على مبدأ أن إحراز تقدم حقيقي في مجال المساواة بين الجنسين يتطلب مساهمات مدروسة من قبل الحكومات والمؤسسات والمجتمع ، لأن الإستثمار في سلامة المرأة وحقوقها وقيادتها يعكس تعزيز المجتمع ككل.

اليوم العالمي هو إحتفال عالمي في اليوم الثامن من شهر مارس من كل عام ، وذلك دلالةً على الإحترام العام وحب المرأة وتقدير دورها في المجتمع.

يختار التحالف العام الوطني لتاريخ المرأة كل عام موضوعاً مميزاً لهذه المناسبة .. فموضوع هذا العام هو *”قيادة التغيير: نساء يصنعن مستقبلاً مستداماً”*

يرتبط تاريخ المرأة والمستقبل المستدام إرتباطاً وثيقاً

 

*دور المرأة المحوري في التنمية المستدامة:*

يسعى العالم نحو تحقيق مستقبل أكثر إستدامةً وإنصافاً ، ومن هذا المنطلق برز دور المرأة الفعال كعنصر أساسي في عملية التنمية ،

حيث تعتبر مشاركة المرأة وتمكينها رافعة أساسية لتحقيق التقدم المجتمعي الشامل والمستدام ، وقبل الخوض في تفاصيل دور المرأة، من المهم توضيح مفهومي *التنمية المستدامة وتمكين المرأة:*

*التنمية المستدامة (Sustainable Development):* كما عرفتها لجنة برونتلاند عام 1987، هي “التنمية التي تلبي إحتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية إحتياجاتها الخاصة”. وتقوم على ثلاثة أبعاد متكاملة ومترابطة: النمو الإقتصادي، والشمول الإجتماعي، وحماية البيئة.

*تمكين المرأة (Women’s Empowerment):* يشير إلى العملية التي من خلالها تكتسب النساء القدرة على إتخاذ قرارات إستراتيجية في حياتهن، والتحكم في الموارد، والمشاركة بفعالية في جميع مجالات الحياة (السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية) على قدم المساواة مع الرجل.

يرى علماء اجتماع مثل أمارتيا سن (Amartya Sen) في مفهومه للتنمية كحرية، أن تمكين المرأة وتوسيع حرياتها وخياراتها هو جزء أساسي من عملية التنمية . فإن تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة بين الجنسين هو شرط مسبق ونتيجة للتنمية المستدامة.

 

هنالك أبعاد متعددة لدور المرأة في التنمية المستدامة حيث تساهم المرأة بشكل حيوي في جميع أبعاد التنمية المستدامة

فبمشاركتها في القوى العاملة وريادة الأعمال نجد أنها تساهم في النمو الإقتصادي ، وتنويع مصادر الدخل ، وتقليل الفقر. “وفقًا لتقارير صادرة عن البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، فإن سد الفجوة بين الجنسين في المشاركة الإقتصادية يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي.”

وفي هذه المناسبة أرجو من المجتمع الدولي أن يلتفت لدور المرأة في المجتمع وللإستثمار في تعليم البنات لما له من عائد إقتصادي وإجتماعي كبير ، حيث يؤدي إلى تحسين صحة الأسرة، وتنظيم معدلات الإنجاب، وزيادة إنتاجية المرأة في المستقبل وتحسين الوضع المعيشي للأسرة حيث تسعى وتميل النساء دائماً إلى استثمار نسبة أكبر من دخلهن في صحة وتعليم أطفالهن، مما يعود بالنفع على رأس المال للأسرة والمجتمع. كذلك تلعب المرأة دورًا محوريًا في صحة الأسرة وتعليم الأبناء. فتمكين المرأة صحياً وتعليمياً ينعكس إيجاباً على صحة وتعليم المجتمع بأسره.

وللمرأة دور كبير في التماسك الإجتماعي وبناء السلام فغالباً ما تكون المرأة فاعلاً رئيسياً في بناء التماسك الإجتماعي ، وفي عمليات بناء السلام والمصالحة في مناطق النزاع ، والحد من الفقر وعدم المساواة.

ولا ننسى التأثير على القيم والسلوكيات ، إذ يرتبط دور الأسرة في التنشئة الإجتماعية إرتباطاً وثيقًا بدور المرأة كأم ومربية في غرس القيم التي تدعم التنمية المستدامة ،

كما أن للمرأة دور كبير في إدارة الموارد الطبيعية، ففي العديد من المجتمعات، وخاصة في المناطق الريفية في الدول النامية، تتحمل المرأة المسؤولية الرئيسية عن جمع المياه، والحطب ، وإنتاج الغذاء ، وبالتالي لديها معرفة وخبرة عميقة بإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام ، وللمرأة قدرة عالية على التكيف مع التغير المناخي فغالباً ما تكون المرأة من بين الفئات الأكثر تأثراً بتغير المناخ، ولكنها أيضًا تلعب دورًا هامًا في تطوير إستراتيجيات التكيف على المستوى المحلي.

 

على الرغم من أهمية دورها، تواجه المرأة في التنمية المستدامة العديد من التحديات والعوائق الهيكلية والثقافية مثل التمييز القانوني والإجتماعي القوانين التمييزية، والأعراف والتقاليد الثقافية التي تحد من حقوق المرأة في الملكية، والميراث، والتعليم، والعمل، والمشاركة السياسية.

العنف القائم على النوع الاجتماعي ، يُعد العنف الأسري والتحرش الجنسي وغيره من أشكال العنف عائقًا كبيرًا أمام مشاركة المرأة وتمكينها.

 

ولابد لنا في هذه المناسبة من الوقوف عند “نظرية التقاطع” (Intersectionality) التي طورتها كيمبرلي كرينشو، تساعد في فهم كيف أن أشكال التمييز المتعددة (مثل التمييز على أساس النوع الاجتماعي، والطبقة، والعرق، والموقع الجغرافي) وتأثيرها على دور المرأة في وضع السياسات والبرامج التنموية.

 

وأحب أن أطلق نداءً عالياً لحكومة تأسيس بأن تضع في أولوياتها الإهتمام باستراتيجيات تمكين المرأة لتحقيق التنمية المستدامة لما لذلك من نتائج إيجابية في كل المجالات الاقتصادية، الإجتماعية، التنموية والتوعوية والثقافية ، فالأم العاملة هي بطلة خارقة وتمكين المرأة هو تمكين للمجمع ككل ، ويتطلب تعزيز دور المرأة في التنمية المستدامة استراتيجيات شاملة ومتكاملة تركز على التمكين في التعليم والتدريب لضمان حصول الفتيات والنساء على تعليم جيد ونوعي في جميع المراحل، وتوفير برامج للتدريب المهني وتنمية المهارات التي يتطلبها سوق العمل ، التمكين الاقتصادي وذلك لتسهيل وصول المرأة إلى التمويل ، والأسواق ، والتكنولوجيا ، ودعم ريادة الأعمال النسائية ، وضمان حقوق متساوية في الملكية والميراث والأجور ، وكذلك التمكين السياسي والمشاركة في صنع القرار واتخاذ تدابير لزيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار ، ودعم مشاركتها في الحياة السياسية ، كذلك تمكين المرأة في مجال الصحة والحقوق الإنجابية وذلك لضمان حصول المرأة على خدمات صحية شاملة ، بما في ذلك خدمات الصحة الإنجابية ، وتمكينها من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحتها ، تمكين المرأة لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي وذلك بسن وتطبيق قوانين صارمة لمكافحة جميع أشكال العنف ضد المرأة، وتوفير خدمات حماية ودعم للناجيات ، تمكين المرأة من خلال تغيير الأعراف الاجتماعية والثقافية السلبية وتكثيف حملات التوعية ، وإشراك الرجال والفتيان كحلفاء ، وتحدي الصور النمطية الجندرية.

“تشدد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs)، وخاصة الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، على أهمية هذه الجوانب.”

إن المرأة في التنمية المستدامة ليست مجرد مستفيدة من عملية التنمية، بل هي شريك فاعل ومحوري في تحقيقها ، وأن تمكين المرأة وإطلاق طاقاتها وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركتها الكاملة والمتساوية هو شرط أساسي لبناء مجتمعات أكثر عدلاً، وازدهاراً ، وإستدامةً. إن الإستثمار في المرأة هو إستثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وفي قدرة مجتمعاتنا على مواجهة التحديات العالمية المعقدة. يتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وتغييرات هيكلية، وتحولاً في العقليات والممارسات الثقافية، والتزاماً حقيقياً من جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع لضمان ألا تتخلف أي امرأة أو فتاة عن ركب التنمية.

ويعتبر تعليم البنات من أهم مرتكزات التنمية المستدامة لما له من آثار إيجابية متعددة الأبعاد: فهو يحسن صحتهن وصحة أسرهن، ويقلل من معدلات وفيات الأطفال والأمهات، ويزيد من فرصهن الاقتصادية، ويؤدي إلى تأخير سن الزواج وتنظيم معدلات الإنجاب، ويعزز قدرتهن على المشاركة في الحياة العامة واتخاذ قرارات مستنيرة، وكلها عوامل حاسمة للتنمية المستدامة.

على الرجال المساهمة في تمكين المرأة ودعم دورها في التنمية المستدامة على أن يكونوا حلفاء أقوياء من خلال تحدي الصور النمطية الجندرية السلبية، ونبذ العنف ضد المرأة، وتقاسم المسؤوليات المنزلية ورعاية الأطفال، ودعم تعليم وعمل النساء والفتيات في أسرهم ومجتمعاتهم، والمشاركة في تعزيز المساواة بين الجنسين في جميع المجالات.

هنالك أمثلة ناجحة لدول حققت تقدمًا كبيرًا في إشراك المرأة في التنمية المستدامة

خاصة في الدول النامية التي تبنت سياسات تقدمية، أظهرت أن الإستثمار في تمكين المرأة يؤدي إلى نتائج تنموية إيجابية. تشمل هذه السياسات توفير تعليم ورعاية صحية جيدة، وضمان حقوق متساوية في العمل والملكية، وتشجيع المشاركة السياسية للمرأة.

تمكين المرأة يساعد على الحد من الفقر لأن هناك علاقة قوية ومباشرة ، عندما يتم تمكين المرأة اقتصاديًا من خلال التعليم والتدريب والوصول إلى الموارد والفرص، فإنها غالباً ما تستثمر دخلها في أسرتها، مما يحسن التغذية والصحة والتعليم للأطفال، ويساعد على كسر دائرة الفقر بين الأجيال. كما أن مشاركتها في سوق العمل تزيد من دخل الأسرة الإجمالي.

للمرأة قدرة عالية على التكييف وفقاً لتغيير المناخ ، فغالباً ما تكون النساء، خاصة في المجتمعات الريفية والفقيرة، أكثر عرضة لآثار تغير المناخ لأنهن يعتمدن بشكل مباشر على الموارد الطبيعية ويكون لديهن وصول أقل إلى الموارد وسبل التكيف. ومع ذلك، فهن يمتلكن أيضًا معارف وخبرات قيمة في إدارة الموارد والتكيف مع التغيرات البيئية، ويمكن أن يكنّ عوامل تغيير قوية في تطوير وتنفيذ حلول مناخية مستدامة وعادلة إذا تم تمكينهن وإشراكهن في صنع القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!