كارثة صحية في جنوب دارفور: مدير الصحة يتهم الوزارة الاتحادية بحرمان 7 ملايين مواطن من الدواء
التنوير: نيالا تقرير

التنوير : نيالا تقرير
في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في السودان نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، كشفت وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور عن ما وصفته بـ”التنصل الكامل” لوزارة الصحة الاتحادية عن مسؤولياتها تجاه ملايين المواطنين في الولاية، الأمر الذي أدى إلى تدهور خطير في الوضع الصحي وحرمان ملايين المرضى من الأدوية والخدمات العلاجية الأساسية.
وقال الدكتور المصطفى عبدالله حسن البرمكي، مدير عام وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور، إن وزارة الصحة الاتحادية أوقفت إرسال الإمدادات الطبية والأدوية إلى مناطق سيطرة قوات “تأسيس” منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب، وهو ما تسبب في حرمان أكثر من سبعة ملايين مواطن في الولاية من حقهم في العلاج، بينهم ما يزيد عن مليوني مواطن في مدينة نيالا عاصمة الولاية.
وأضاف البرمكي أن هذا القرار أدى إلى تفاقم الأوضاع الصحية بصورة غير مسبوقة، وخلق أزمة إنسانية معقدة في ظل محدودية الموارد والإمكانات المتاحة لدى السلطات الصحية المحلية.
تسليع الدواء وتحويله إلى أداة في الحرب
وأكد البرمكي أن إدخال الدواء ضمن أدوات الصراع يمثل انتهاكًا صريحًا للقوانين الدولية والمواثيق المهنية التي تضمن حق المواطنين في الحصول على الرعاية الصحية دون تمييز.
وأشار إلى أن منع الإمدادات الطبية عن مناطق واسعة من جنوب دارفور حرم المرضى من الأدوية المنقذة للحياة، وأدى إلى تزايد انتشار الأمراض المزمنة والخطرة مثل السكري والكبد الوبائي وأمراض الكلى والدرن والإيدز وارتفاع ضغط الدم والكوليرا وفقر الدم.
وأوضح أن هذه السياسات ساهمت بشكل مباشر في انهيار النظام الصحي في العديد من المناطق، حيث بات المرضى يواجهون مصيرهم دون علاج أو متابعة طبية.
توقف الإمداد الدوائي يفاقم معاناة المرضى
وفي إفادة طبية متصلة، قال الدكتور أحمد محمد سليمان، استشاري الباطنية، إن توقف الإمداد الدوائي أدى إلى انتكاسات خطيرة وسط مرضى الأمراض المزمنة.
وأوضح أن عدداً كبيراً من المرضى فقدوا استقرارهم الصحي بسبب انقطاع العلاج لفترات طويلة، ما تسبب في ارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات، خاصة بين مرضى الكلى والسكري وارتفاع ضغط الدم.
وأضاف أن بعض المرضى اضطروا إلى تقليل جرعات العلاج أو إيقافها بالكامل لعدم توفر الأدوية، وهو ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية بشكل كبير.
عودة أمراض الطفولة بسبب توقف برامج التحصين
من جانبه، حذر الدكتور عبد الرحمن يوسف آدم، اختصاصي طب الأطفال، من تداعيات توقف برامج التحصين القومي في مناطق واسعة من جنوب دارفور.
وأوضح أن إيقاف حملات التطعيم أدى إلى عودة أمراض الطفولة التي كانت قد اختفت من السودان مثل السعال الديكي والدفتيريا.
وأشار إلى أن آلاف الأطفال حُرموا من جرعات التطعيم الأساسية، ما يهدد بظهور أوبئة واسعة النطاق كان بالإمكان تفاديها لو استمر برنامج التحصين بصورة طبيعية.
تزايد حالات الدرن والإيدز نتيجة انقطاع البرامج العلاجية
ولفت البرمكي إلى أن الأزمة الصحية لا تقتصر على الأمراض المزمنة أو التحصين، بل امتدت إلى توقف برامج علاج الدرن، وهو ما أدى إلى زيادة ملحوظة في الحالات وظهور ما يعرف بالدرن المقاوم للأدوية نتيجة انقطاع المرضى عن العلاج لفترات طويلة.
كما أشار إلى أن برامج مكافحة الإيدز والأمراض المنقولة جنسياً، والتي تعتمد على دعم برامج دولية، توقفت هي الأخرى في مناطق سيطرة قوات تأسيس، الأمر الذي فاقم الوضع الصحي وأدى إلى حرمان المرضى من خدمات العلاج والمتابعة.
تدمير البنية التحتية الصحية في نيالا
وفي إفادة إضافية، كشف مصدر صحي رفيع في الإدارة المدنية أن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية والخدمية في مدينة نيالا.
وقال المصدر إن عدداً كبيراً من المستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه والمرافق الحكومية تعرض للتدمير خلال العمليات العسكرية، ما تسبب في انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
وأضاف أن الولاية، عند تولي الأستاذ يوسف إدريس مهام الحكم، لم يكن يعمل فيها سوى مستشفى واحد فقط، في حين تمكنت السلطات لاحقاً من إعادة تشغيل عدد من المرافق الصحية.
وأشار إلى أن الوضع الصحي شهد تحسناً نسبياً، حيث تعمل حالياً أكثر من 12 مستشفى ريفياً في 12 محلية، إلى جانب خمسة مستشفيات رئيسية داخل مدينة نيالا.
جهود محلية لتعويض غياب الدعم الاتحادي
وأكد البرمكي أن الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، ومنذ توليها مهام الحكم قبل نحو تسعة أشهر، عملت على إعادة تشغيل عدد من المستشفيات والمراكز الصحية رغم شح الإمكانات.
وأوضح أن وزارة الصحة بالولاية تمكنت من تحسين خدمات الطوارئ والإسعاف، ودعم أقسام الجرحى والمصابين بالحرب، وتوفير الحد الأدنى من الأدوية المنقذة للحياة.
كما أشار إلى أن الولاية بدأت مؤخراً في توريد المحاليل الوريدية ومحاليل غسيل الكلى وصيانة ماكينات الغسيل لضمان استمرار الخدمات العلاجية للمرضى.
تنسيق مع المنظمات الدولية لتخفيف الأزمة الصحية
وأشار البرمكي إلى أن التحسن النسبي في بعض الخدمات الصحية جاء نتيجة التنسيق مع المنظمات الدولية والإنسانية، وتوسيع برامج الرعاية الصحية الأولية داخل المجتمعات.
وأضاف أن حملات التوعية والتثقيف الصحي ساهمت في الحد من انتشار بعض الأمراض، وساعدت في تخفيف جزء من المعاناة التي يعيشها المواطنون في ظل غياب الدعم الاتحادي.
وأكد أن هذه الجهود لا تزال غير كافية مقارنة بحجم الأزمة الصحية التي تواجه الولاية.
استمرار العمل لإعادة بناء النظام الصحي
وفي ختام حديثه، شدد البرمكي على أن حكومة تأسيس، عبر وزارة الصحة التابعة لها، تتحمل مسؤولية كبيرة في إعادة بناء النظام الصحي وإعادة الأوضاع إلى مسارها الصحيح.
وأكد استمرار العمل في برامج تعزيز الصحة وبناء القدرات الطبية ومعالجة الآثار السالبة التي خلفتها الحرب، إضافة إلى تطوير الخدمات الصحية في مختلف محليات الولاية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الجهود لإعادة تأهيل المؤسسات الصحية وتوسيع الخدمات الطبية، بهدف تخفيف معاناة المواطنين الذين تأثروا بالحرب خلال السنوات الثلاث الماضية.




