رأي

واشنطن تضرب الإخوان❗️ فمن يحكم السودان؟

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يكن قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية حدثًا يمكننا عزله عن السياق الإقليمي والدولي،فالسياسة لا تتحرك في فراغ، وما يجري في السودان اليوم هو جزء من لوحة أوسع يعاد فيها تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي،لذلك لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التحولات الكبرى التي تضرب المنطقة وما زال صدى إنفجاراتها يتردد في أرجائها.

في هذا السياق يبرز الرئيس الأمريكي”ترامب”الذي إختار المواجهة مع “إيران”بدعم واضح من” إسرائيل”.

هذه المواجهة لا تستهدف طهران وحدها، بل تمتد إلى شبكات النفوذ والأذرع السياسية والأيديولوجية التي تنتشر في الإقليم.

من هنا يصبح تحجيم الحركات الإسلاموية – وعلى رأسها جماعة الإخوان – جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة وتقليص نفوذ القوى التي قد تتحول إلى أدوات تخريب في لحظة المواجهة الكبرى.

في السودان تحديدًا، جاء القرار الأمريكي بعد سنوات طويلة من الجدل حول دور الحركة الإسلامية داخل مفاصل الدولة، خاصة بعد صعود”البرهان”إلى السلطة عقب سقوط نظام”عمر البشير”.

الملاحظ أن البنية العميقة للسلطة التي تتمركز اليوم في بورتسودان ما تزال متأثرة بشبكات الإسلام السياسي التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم البشير، وأن تلك الشبكات ما زالت تحاول إعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة والجيش.

القرار الأمريكي لا يعكس فقط موقفًا من جماعة بعينها، بل يشير إلى تحول في نظرة واشنطن إلى السودان ككل،فالولايات المتحدة تنظر إلى السودان باعتباره بوابة إفريقيا ومفتاحًا إستراتيجيًا لأمن البحر الأحمر، وهو ممر دولي تتنافس عليه القوى الإقليمية والدولية لما يحمله من أهمية في التجارة والطاقة والنفوذ العسكري.

لهذا السبب تتعامل بعض القوى الإقليمية – وعلى رأسها مصر و السعودية– مع السلطة القائمة في بورتسودان باعتبارها شريك الأمر الواقع القادر على حفظ قدر من الإستقرار، إلاِّ أن هذا الدعم تحكمه حسابات المصالح المرتبطة بالموانئ السودانية والموارد الطبيعية الضخمة التي يملكها السودان، من الذهب إلى الأراضي الزراعية الشاسعة، وصولًا إلى السواحل الممتدة على البحر الأحمر.

المفارقة أن هذا الرهان الإقليمي يتجاهل – أو يتغاضى – عن حقيقة أن القوى التي تمسك بالسلطة في بورتسودان لا تزال مرتبطة بصورة أو بأخرى بإرث الحركة الإسلامية،وهو ما يجعل القرار الأمريكي رسالة سياسية واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة قد لا تتسامح مع إعادة تدوير الإسلام السياسي في السودان.

هذا التطور يضع القوى السياسية السودانية الأخرى أمام إختبار حقيقي، فـ“تحالف تأسيس” وحكومة السلام التي يقودها الفريق أول محمد حمدان دقلو يقفان اليوم أمام فرصة تاريخية قد تعيد رسم موقعهما في المعادلة السودانية،إذا نجح التحالف في إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته بطريقة منهجية تقوم على الأمن والخدمات وبناء المؤسسات، فقد يتحول إلى واجهة سياسية بديلة قادرة على كسب ثقة الداخل وإهتمام المجتمع الدولي.

إستثمار هذه اللحظة يتطلب أكثر من مجرد الإستفادة من ضعف الخصوم،فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء نموذج حكم مختلف يحقق تماسك الجبهة الداخلية ويمنح المواطنين إحساسًا بأن هناك دولة جديدة تتشكل من قلب الحرب.

الشعب السوداني الذي أنهكته الصراعات لم يعد يبحث عن شعارات، بل عن إستقرار وعدالة وفرصة للحياة.

يمكن القول إن تصنيف الإخوان في السودان – رغم أنه جاء متأخرًا – قد يشكل نقطة تحول في مسار الصراع السياسي في البلاد،لكنه لن يكون نهاية القصة، بل بداية لمرحلة جديدة ستحدد ملامحها قدرة القوى السودانية على قراءة التحولات الدولية وإستثمارها لبناء مشروع وطني ينهي الحرب ويعيد للدولة معناها.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط عن مصير الإخوان في السودان، بل عن المستقبل السياسي للبلاد كلها:إذا كانت واشنطن قد ضربت الإخوان!فمن يحكم السودان؟

ولنا عودة بإذن الله

الثلاثاء،١٠مارس/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!