رأي

السودان في القلب… حين يصبح تصنيف الإرهاب            خطوة نحو إنصاف الضحايا

د.اخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

رغم انشغالي هذه الأيام بهمومي الخاصة، ورغم ثقل الفقد الذي أحمله في قلبي منذ أن فقدت ابني في هذه الحرب اللعينة، إلا أن السودان لا يغيب عن خاطري لحظة واحدة. فالوطن بالنسبة لنا ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وألم وأمل معاً.

لقد تابعت باهتمام قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان كجماعة إرهابية، وهو قرار أراه ـ من موقعي كمواطنة سودانية وناشطة في قضايا العدالة والشفافية ـ خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ليس بدافع الشماتة، بل بدافع الإنصاف للتاريخ وللضحايا.

فالحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً هي أن الحركة الإسلامية، منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، أسست دولة على أساس التمكين الأيديولوجي، وأدخلت السودان في عزلة دولية، وربطت سياساته الخارجية بمحاور إقليمية معروفة، من بينها علاقات وثيقة مع إيران، الأمر الذي جعل البلاد ساحة لصراعات إقليمية ودولية.

لكن الأخطر من ذلك كله أن هذه الحركة لم تكتفِ بإدارة الدولة بعقلية الإقصاء، بل ساهمت بشكل مباشر في تفكيك المجتمع السوداني، وإشعال الحروب، وتعميق الانقسامات، حتى وصلنا اليوم إلى حرب مدمرة يدفع ثمنها الأبرياء من المدنيين، من الأطفال والنساء والشباب.

ما يحزنني أكثر هو أن بعض الأصوات المرتبطة بهذه الجماعة ما زالت تدعو إلى استمرار الحرب، وترفض أي مبادرات حقيقية للسلام، وكأن دماء السودانيين أصبحت وقوداً لمعارك سياسية لا نهاية لها.

إن السلام ليس ضعفاً، بل شجاعة. والوطن لا يبنى بالسلاح وحده، بل بالإرادة السياسية والاعتراف بالأخطاء والبحث عن مستقبل مشترك لكل السودانيين.

اليوم، ونحن نعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان، يجب أن تكون الأولوية لوقف الحرب فوراً، وفتح الطريق أمام مشروع وطني جديد يقوم على دولة مدنية عادلة، تحترم التنوع، وتفصل بين الدين والسياسة، وتعيد للسودان مكانته بين الأمم.

إن تصنيف أي جماعة أو تنظيم لا يجب أن يُقرأ فقط في سياق السياسة الدولية، بل يجب أن يكون فرصة لنا كسودانيين لمراجعة تجربتنا بصدق، ومساءلة كل القوى التي ساهمت في إيصال البلاد إلى هذا المصير المؤلم.

أما أنا، كأم فقدت ابنها في هذه الحرب، وكامرأة ما زالت تؤمن بأن السودان يستحق حياة أفضل، فسأظل أرفع صوتي من أجل السلام والعدالة، ومن أجل وطن لا يُختطف مرة أخرى باسم الدين أو الأيديولوجيا.

السودان يستحق مستقبلاً مختلفاً…

مستقبلاً يُبنى بالسلام، لا بالحروب.

د. إخلاص قرنق

كاتبة وناشطة في قضايا العدالة والشفافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!