
د.يعقوب عبد الشافع رئيس حركة الإصلاح والتجديد
يخبرنا التاريخ أن الثبات وهم، وأن التغيير هو القانون الأصدق الذي يحكم حركة البشر والدول والأفكار. فكل قرن تقريبًا يشهد تحولات كبرى تمسّ أنماط الحياة، وموازين القوة، وشكل الدولة، وطبيعة المعرفة. وما كان يُعد مستحيلًا بالأمس، يصبح اليوم حقيقة علمية أو سياسية أو اجتماعية.
في مجال العلم، استطاع الإنسان أن يتجاوز حدود الأرض، وأن يعود إلى سطح القمر، مستندًا إلى المعرفة والبحث والاكتشاف. كما مكّنه العلم من فهم أصل السلالة البشرية عبر الحمض النووي (DNA)، الذي كشف كثيرًا من أسرار الوراثة والهوية البيولوجية. هذه القفزات العلمية تؤكد أن العقل البشري، حين يتحرر من القيود، يعيد تعريف الممكن.
والتحولات لا تقتصر على العلم وحده، بل تمتد إلى الطبيعة والسياسة. فكما تتغير مجاري الأنهار، وتتحرك الصفائح الأرضية، تتبدل خرائط النفوذ، وتنهض دول وتنهار إمبراطوريات. أين اليوم الإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية والفرعونية؟ وأين الدول العربية الإسلامية التي تعاقبت من الخلافة الراشدة إلى الأموية والعباسية، ثم الدول المستقلة كالأيوبية والمملوكية والعثمانية؟ كلها كانت قوى عظمى في زمنها، ثم انقضى دورها.
ومع تراجع تلك الإمبراطوريات، صعدت قوى جديدة في غرب أوروبا: البرتغال، إسبانيا، هولندا، فرنسا، وبريطانيا، قبل أن تنتقل قيادة النظام الدولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، لتسود الديمقراطية بوصفها فكرة ونظام حكم، لا بوصفها واقعًا مثاليًا كاملًا.
هذه التحولات التاريخية تفرض على المجتمعات ضرورة قبول الجديد، لا بوصفه استسلامًا، بل فهمًا لمنطق العصر. فالأنظمة السياسية، مثل الأفكار، إن لم تتجدد تتحول إلى عبء على شعوبها. والتطرف والغلو، أينما وُجدا، شكّلا عائقًا أمام التنمية والاستقرار، وأدخلا دولًا كاملة في دوامات عنف وصراع عطلت طاقات الإنسان.
إن مستقبل المنطقة – من وجهة نظر تحليلية – سيعتمد على قدرة الدول على إدارة تنوعها، وإصلاح أنظمتها، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة لا الإقصاء، وعلى الدولة المدنية لا الهيمنة الأيديولوجية. بعض الدول نجحت نسبيًا في قراءة التحولات العالمية، وبدأت إصلاحات في الحريات، وتمكين المرأة، وتحديث أنماط الحكم، إدراكًا منها أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالرضا والمشاركة.
كما أن كثيرًا من الكيانات الإقليمية القديمة قد تتراجع أدوارها، في مقابل صعود تكتلات جديدة أكثر انسجامًا مع المصالح الاقتصادية والأمنية الفعلية لشعوبها. وفي المقابل، ستُعاد صياغة الهويات الوطنية على أسس أكثر واقعية، تعترف بالتعدد الثقافي والإثني والتاريخي، بدل إنكاره أو قمعه.
إن العودة إلى “الأصل الطبيعي” للشعوب لا تعني الانغلاق أو العزلة، بل التصالح مع الجغرافيا والتاريخ، ومع الذات قبل الآخر. فالدول التي تعيش بلا رؤية، ولا مشروع معرفي، تبقى عالقة في هوية مشوشة، لا هي منتمية بوعي، ولا قادرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية.
في الخلاصة، الواقع الجديد قادم لا محالة، لكن الفارق الحقيقي سيكون بين من يستعد له بالعقل والمعرفة، ومن يرفضه فيدفع ثمن الرفض عزلةً وتفككًا. فالتغيير لا يرحم من ينكره، لكنه يكافئ من يفهمه ويُحسن التعامل معه.




