رأي

بين طهران وتل أبيب… هل تمارس تركيا حيادًا استراتيجيًا أم سياسة توازن معقدة؟

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة

تبدو السياسة التركية في خضم التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ«الانحياز الاستراتيجي المشروط» لا الحياد التام. فأنقرة تحاول إدارة توازن دقيق بين اعتبارات أيديولوجية وسياسية من جهة، ومصالحها الاقتصادية والتزاماتها الأمنية كعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى.

في الخطاب السياسي والإعلامي، تميل الكفة التركية بوضوح نحو إيران. فقد تبنت الحكومة التركية لهجة حادة في انتقاد السياسات الإسرائيلية، ووصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها تهديد للاستقرار الإقليمي، بل واعتبرتها جزءًا من أجندة توسعية قد تطال دول المنطقة مستقبلاً. ومن هذا المنطلق، قدمت أنقرة لطهران غطاءً دبلوماسيًا عبر إدانة الضربات الإسرائيلية والأمريكية عليها.

كما رفضت تركيا، في فبراير 2026، السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران، في خطوة عُدّت إشارة واضحة إلى رغبة أنقرة في تجنب الانخراط في أي تحالف عسكري مباشر يستهدف طهران.

في المقابل، تتكرر اتهامات لتركيا بأنها تدعم إسرائيل بالسلاح، غير أن هذه المزاعم غالبًا ما تستند إلى قراءة تاريخية للعلاقات العسكرية بين البلدين أكثر من استنادها إلى الواقع الحالي. فالتعاون العسكري التركي-الإسرائيلي الذي بلغ ذروته في تسعينيات القرن الماضي تم تجميده منذ سنوات، كما فرضت أنقرة في عام 2024 حظرًا تجاريًا واسعًا على إسرائيل شمل مواد يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.

وفي عام 2026، شددت تركيا هذه القيود بإجراءات إضافية تمنع تصدير البضائع التركية إلى إسرائيل حتى عبر دول ثالثة، بما في ذلك عبر بعض دول الاتحاد الأوروبي، وذلك لضمان عدم وصول أي مواد قد تُستخدم لدعم المجهود الحربي الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك، اتجهت أنقرة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي، وبدأت اتخاذ إجراءات احترازية مثل بناء ملاجئ وتطوير منظومات حماية مدنية تحسبًا لأي صدام مباشر أو غير مباشر قد يمتد إلى الإقليم.

ورغم هذه السياسات، يرى بعض المراقبين أن هناك تناقضًا في الموقف التركي. ويستند هذا الرأي إلى عاملين رئيسيين.

أول هذه العوامل هو استمرار تدفق النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل عبر خط الأنابيب الذي ينتهي في ميناء جيهان التركي. ورغم أن هذا النفط لا تملكه تركيا، فإن مرور الطاقة عبر أراضيها أثار انتقادات تتهم أنقرة بعدم إغلاق هذا المسار الذي يُعد شريانًا مهمًا لإمدادات الطاقة الإسرائيلية.

أما العامل الثاني فيتعلق بالتزامات تركيا داخل حلف الناتو، حيث تستضيف أنقرة رادارات إنذار مبكر في قاعدة كورجيك. ويعتقد بعض المنتقدين أن هذه الرادارات قد تسهم في تتبع الصواريخ الإيرانية، وهو ما يضع تركيا في موقف دقيق بين التزاماتها داخل الحلف وعلاقاتها الإقليمية.

في المحصلة، لا يبدو أن تركيا تدعم إسرائيل عسكريًا في المرحلة الحالية، بل تتبنى سياسات تضييق اقتصادي ودبلوماسي عليها. وفي الوقت ذاته، فإن دعمها لإيران يظل سياسيًا وإعلاميًا في المقام الأول، ولا ينبع بالضرورة من تقارب أيديولوجي مع ما يُعرف بمحور المقاومة، بقدر ما يعكس حسابات أمنية واستراتيجية.

فأنقرة تدرك أن أي انهيار محتمل للنظام الإيراني قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة، تشمل موجات لجوء جديدة، أو تصاعد النفوذ الكردي، أو تمدد النفوذ الغربي قرب حدودها. لذلك تسعى تركيا إلى إدارة الأزمة بسياسة توازن حذرة، تحافظ من خلالها على مصالحها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أي من الطرفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!