
تعيش مدن ولاية جنوب كردفان لاسيما كادقلي والدلنج على وقع أزمة إنسانية طاحنة تهدد بوفاة آلاف المواطنين جوعا وسط غياب تام للمساعدات الإنسانية واحتكار الجيش للسلع بما في ذلك الذرة الرفيعة الغذاء الرئيسي لسكان المنطقة ومنع عرضها في الأسواق، وهو ما فاقم من معاناة السكان.
تضجر المواطنين
النقص الحاد في السلع الغذائية قاد المواطنين إلى التضجر وتسيير مظاهرات في مدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان تندد باختفاء الذرة من الأسواق وهي احتجاجات قابلها الجيش بعنف مفرض بعد أن استخدم الرصاص الحي في تفريغ المحتجين في سوق كادقلي يوم 22 يوليو الجاري ما أدى لسقوط قتيل واحد على الأقل وإصابة العشرات بجراح خطيرة.
بحسب مصادر محلية، فإن الذرة المتوفرة في السوق تأتي من مخازن الجيش السوداني، الذي احتكر تجارتها بعد أن نقل جميع الكميات المتاحة من السوق إلى مخازنه الخاصة وأفاد مصدر أن قيادات الجيش عقدت اجتماعًا مع إدارات أهلية خلال فعالية محلية، حيث وعدت بتخفيض سعر الجوال من 600 ألف إلى 500 ألف جنيه، وأعلنت امتلاكها سبعة آلاف جوال من الذرة سيتم توزيعها على مراكز البيع بسعر 11 ألف جنيه للملوة. إلا أن كميات كبيرة من الذرة تم بيعها لاحقًا في السوق السوداء بأسعار وصلت إلى أرقام خيالية ، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لمنع المواطنين من التفكير في اقتحام المخازن.
وتشهد مدينة كادقلي، تدهورًا حادًا في الأوضاع المعيشية وسط تحذيرات متصاعدة من اقتراب كارثة إنسانية قد تبلغ مستوى المجاعة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار الحصار المفروض على المدينة من قبل أطراف النزاع العسكري وغياب شبه كامل للمساعدات الإنسانية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الغذائية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
يصطف المواطنين لساعات طويلة أمام مخازن الذرة بالقرب من قيادة الفرقة 14مشاه والسوق الكبير على أمل الحصول على ملوة من الذرة بالكاد لا تكفي وجبتين..
الامم المتحدة تحذر
وأفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” بإندلاع اشتباكات يوم الثلاثاء في مدينة كادوقلي ونقل عن مصادر محلية قولها إن مسلحين حاولوا الاستيلاء على المواد الغذائية في الأسواق الرئيسية.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك في المؤتمر الصحفي اليومي “مع تفاقم أزمة الجوع في السودان، لا تزال المدينة معزولة عن المساعدات الإنسانية، حيث تم إغلاق آخر طريق إمداد من ولاية شمال كردفان المجاورة”.
اصطفاف المواطنين
ويصطف المواطنين لساعات طويلة أمام مخازن الذرة بالقرب من قيادة الفرقة 14مشاه والسوق الكبير على أمل الحصول على ملوة من الذرة بالكاد لا تكفي وجبتين، وفي المقابل ارتفعت أسعار السكر والبصل علاوة على البقوليات والزيوت لمستويات قياسية عجز المواطنين في الحصول عليها.
واتخذت سلطات ولاية جنوب كردفان قرارات في محاولة ترمي لضبط السوق من بينها توحيد الأسعار ما بين البيع بسعر الكاش وعبر التطبيقات المصرفية من بينها تطبيق “بنكك”.
توحيد الأسعار قاد التجار في الدلنج للاحجام عن البيع ونقل أطنان من السلع الغذائية نحو منازلهم، وهو أمر اعترضت عليه الاستخبارات العسكرية وفقاً لمصادر تحدثت ل”التنوير” وطالبت بإعادة البضائع إلى السوق وهددت باقتحام المنازل واعتقال التجار بعد مصادرة البضائع.
وتقول مصادر محلية من الدلنج، ل”التنوير” أن سوق المدينة أصبح فارغ تماماً من السلع الغذائية بعد أن احجم التجار على البيع رفضا لتوحيد الأسعار، وأفاد أن عشرات التجار نقلوا البضائع لمنازلهم فيما غادر آخرون المنطقة، وحذرت المصادر المحلية من إنتشار المجاعة التي قالت أنها على الأبواب وستطال آلاف المواطنين باتوا يعيشون اليوم على وجبة واحدة وآخرون لجأوا للاعتماد على أوراق الأشجار من بينها أشجار التبلدي ونبتة تعرف ب”عرق النبي” لسد رمقهم من الجوع الآخذ في الإنتشار بصورة مخيفة.
مليشيا كافي طيار البدين وهو حليف للجيش السوداني وجهت تهديدات جدية باقتحام الأسواق وتوزيع السلع المكدسة للمواطنين..
تهديدات بنهب الأسواق
وفي ظل الندرة الكبيرة في السلع وقلة المعروض برزت تشكيلات عسكرية من بينها مليشيا كافي طيار البدين وهو حليف للجيش السوداني وجهت تهديدات جدية باقتحام الأسواق وتوزيع السلع المكدسة للمواطنين علها تسهم في إنهاء أزمة الجوع، وإشتبكت هذه المجموعات بالفعل مع قوات الجيش المعنية بتأمين السوق يوم الثلاثاء الماضي بعد أن أقدمت على كسر عدد من المتاجر وتوزيع السلع للذين يتضورون جوعا.
وأبلغت مصادر واسعة الإطلاع أن قائد المليشيا واسع النفوذ في مدينة كادقلي وجه رسائل لسلطة الأمر الواقع عبدالفتاح البرهان طالبه بضرورة إقالة والي جنوب كردفان محمد إبراهيم عبدالكريم بعد أن حمله مسؤولية مفاقمة الأزمة المعيشية، كما طالب البدين بإقالة قائد الفرقة ١٤ مشاه فيصل مختار السائر ومديري الاستخبارات والمخابرات العامة لتورطهم في نقل البضائع وتكدسها في المقار العسكرية بينما في الخارج يواجه المواطنين صعوبات بالغة في الحصول على السلع.
كما خير كافي طيار في إجتماع عاصف عقده بمنزله التجار وأغلبهم ينحدرون من شمال ووسط السودان بمزاولة نشاطهم التجاري داخل السوق الكبير والأسواق الطرفية أو مغادرة المدينة بصورة نهائية، لكون أنهم غير متضررين من نقص الغذاء بعد أن قاموا خلال الأشهر الماضية بإجلاء أسرهم نحو مناطق شمال السودان والوسط أو للخارج.




