
سامر مكين
شهدت مدينتا الفاشر ونيالا، الحواضر الكبرى لإقليم دارفور، خلال الساعات الماضية خروج تظاهرات شعبية ومواكب ثورية حاشدة، حملت رسائل سياسية واضحة ومباشرة. تأتي هذه التحركات تأييداً لقرار الولايات المتحدة الأمريكية الأخير القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كمنظمة إرهابية عالمية، في خطوة وصفتها الجماهير المتظاهرة بأنها “بداية النهاية” لنفوذ الجماعة الذي استمر لعقود في السودان.
لا يمكن قراءة خروج هذه التظاهرات في الفاشر ونيالا بمعزل عن الواقع المأساوي والتاريخي الذي يعيشه إقليم دارفور. فهذه المدن كانت وما تزال مسرحاً لصراعات دامية ممتدة منذ عقود، يُنظر فيها إلى “فلول” النظام السابق وعناصر الحركة الإسلامية (الكيزان) كأحد المحركين الأساسيين لسياسات “الأرض المحروقة” والنزوح الجماعي. خروج المواطنين في هذا التوقيت، وبالتزامن مع سريان القرار الأمريكي في مارس 2026، يعكس رغبة شعبية عارمة في التخلص نهائياً من إرث الثلاثين عاماً الماضية، حيث تتهم هذه الجماهير جماعة الإخوان المسلمين بإعادة تدوير الحرب الحالية لضمان عودتها إلى سدة الحكم، مستغلةً التوترات القبلية والاجتماعية في الإقليم لتحقيق مآرب سياسية ضيقة. كما أن التوقيت يكتسب أهمية قصوى مع اشتداد المعارك والعمليات العسكرية في كردفان ، مما يجعل هذه التظاهرات صرخة استغاثة ورفض لوجود أي غطاء سياسي أو ديني للعمليات العسكرية التي تقودها المليشيات الارهابية المرتبطة بجماعة الأخوان المسلمين .
يحمل القرار الأمريكي أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد التصنيف القانوني؛ فهو يعكس تحولاً جذرياً في نظرة المجتمع الدولي، وتحديداً واشنطن، لمليشيات الارهابية المرتبطة بالحرب المستعرة في السودان. فالتصنيف جاء مشفوعاً باتهامات صريحة للجماعة بالارتباط بشبكات تمويل إقليمية عابرة للحدود، وتنسيق أمني مع أطراف خارجية كإيران، بالإضافة إلى الدور القتالي المباشر لـ “كتيبة البراء بن مالك” التي تعتبر الذراع العسكري الفعلي للجماعة في الميدان.
التظاهرات المؤيدة في دارفور تعطي “شرعية شعبية” لهذا القرار الدولي، وتؤكد أن المطالبة بتفكيك بنية الإخوان المسلمين ومحاسبتهم ليست مجرد ضغوط خارجية أو أجندات سياسية، بل هي مطلب داخلي أصيل يلامس تطلعات السودانيين التواقين للاستقرار والتحول المدني الديمقراطي الحقيقي. وقد تجلى هذا الزخم في الترحيب الإقليمي الواسع بالقرار، حيث اعتبرته قوى سياسية وعسكرية سودانية، وعلى رأسها قيادة قو.ات الدعم السر.يع،وتحالف تأسيس خطوة ضرورية لعزل “دعاة الحرب” وتجفيف منابع تمويلهم وتسليحهم، مما يضع الجماعة في عزلة سياسية وأمنية غير مسبوقة.
إن الترحيب الواسع في الفاشر ونيالا يضع القوى السياسية والعسكرية أمام واقع جديد. فمن الناحية السياسية، يضيق هذا القرار وتأييده الشعبي الخناق على أي محاولات لعودة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي تحت أي مسمى جديد. ومن الناحية الأمنية، يمهد الطريق لمزيد من العقوبات الدولية على الكيانات الاقتصادية والعسكرية التابعة للجماعة، ويشجع الدول الأخرى على اتخاذ خطوات مماثلة لعزل التنظيمات التي تهدد السلم والأمن الإقليمي.
تمثل تظاهرات الفاشر ونيالا استفتاءً شعبياً حقيقياً على رفض “الأدلجة” في الحكم والحروب بالوكالة.




