
سهيبه مريش
يحتل تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، عبر تاريخه الممتد، موقعًا مركزيًا ومثيرًا للجدل في المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد. شكل هذا التنظيم، بأجنحته المختلفة وأدواته الدعوية والسياسية، ركيزة أساسية في فترات الحكم المتعاقبة، لا سيما خلال العهد الإسلامي الذي استمر ثلاثين عامًا. إلا أن المشهد تغير جذريًا بعد ثورة الخامس عشر من ابريل وتضاعف تعقيده مع المتغيرات السياسية الدولية، أبرزها القرار الأمريكي بتصنيف التنظيم كمنظمة إرهابية من قبل الرئيس دونالد ترامب، وهو قرار حمل تداعيات عميقة على الحركة الإسلامية السودانية ومستقبل التحول الديمقراطي.
إن تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان جزءًا من استراتيجية إقليمية ودولية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات النفوذ التي ترى فيها واشنطن تهديدًا لمصالحها أو لشركائها الإقليميين. بالنسبة للإخوان في السودان، أدى هذا التصنيف إلى عزلهم دوليًا، وتضييق الخناق على الموارد المالية والبشرية، وزيادة الضغوط الداخلية عليهم من القوى المدنية والشبابية التي طالبت بتجفيف منابع الفكر الإخواني من مؤسسات الدولة. ورغم أن هذا التصنيف لم يكن له أثر مباشر على الوجود الميداني للتنظيم داخل السودان مقارنة بتأثيره على جماعات أخرى إقليميًا، إلا أنه أثر بشكل كبير على شرعيتهم السياسية في ظل مسار الثورة الساعي للاندماج في النظام العالمي.
المفارقة تكمن في أن هذا الضغط الخارجي تزامن مع تأييد مجتمعي كبير داخليًا وخارجيًا لسقوط النظام السابق والتخلص من هيمنة الإخوان على مفاصل الدولة. أظهرت الاحتجاجات الشعبية رفضًا قاطعًا لاستعادة النفوذ القديم، مما وضع التنظيم في موقف دفاعي حرج. داخليًا، سعى التنظيم إلى التكيف مع الواقع الجديد عبر إظهار مرونة سياسية، بعضها بدا تكتيكيًا يهدف إلى البقاء في دائرة التأثير، وبعضها الآخر عكس انقسامات داخلية حول مدى ضرورة القطيعة مع الماضي الأيديولوجي الصارم.
أما فيما يتعلق بمصير حركات الارتزاق أو المجموعات المسلحة التي ارتبطت بالنظام السابق أو التي ظهرت في ظل هذا الصراع الحالي، فإن مسارها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفشل في بناء مؤسسات دولة قوية وعقيدة وطنية جامعة. التحاق بعض القبائل والجماعات الصغيرة بصف الجيش أو بكيانات عسكرية أخرى، غالبًا ما يكون مدفوعًا بحسابات المصالح الضيقة، وليس بالالتزام الأيديولوجي الكلي. عندما تنهار الهياكل الداعمة لهذه الجماعات، أو عندما تتغير موازين القوى بشكل حاسم، فإن ولاءها سرعان ما يتحول تبعًا لمن يوفر الحماية أو المكاسب المادية. إن نهاية الجري وراء المصالح الشخصية بدلاً من الكلية هي تحدٍ وجودي للسودان ما بعد الثورة، فغياب العقد الاجتماعي القائم على المواطنة يفتح الباب أمام تجارة الولاءات المؤقتة.
في ظل هذا الواقع المعقد، يراقب المحللون عدة سيناريوهات للمشهد السياسي السوداني الداخلي والخارجي. السيناريو الأول هو الاستمرار في حالة التجاذب والصراع المفتوح، حيث تستمر القوى العسكرية والمدنية في التنافس على السلطة دون التوصل إلى اتفاق دائم، مما يهدد بتمدد حالة الحرب الحالية إلى صراعات أفقية أوسع تشمل الفصائل القبلية والمليشيات المنشقة.
السيناريو الثاني، الأكثر تفاؤلاً، هو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنجح في دمج القوى المختلفة ضمن إطار مدني شفاف، مع تفكيك بنيات الدولة العميقة التي أسسها النظام السابق. هذا يتطلب ضغطًا دوليًا موحدًا يضمن خروج جميع المكونات العسكرية من المشهد السياسي لصالح سلطة مدنية منتخبة.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو تفتت الدولة وظهور كيانات إقليمية متحيزة، حيث تستغل القوى الخارجية المتنافسة حالة الضعف لفرض نفوذها عبر دعم فصائل محلية بأجندات متباينة. في هذا السياق، يظل مصير الإخوان المسلمين معتمدًا على قدرتهم على إعادة التموضع كقوة سياسية مدنية مجردة من مظاهرها الأمنية والمالية السابقة، وهي عملية شاقة تتطلب تضحيات أيديولوجية كبيرة.
إن قرار ترامب كان بمثابة تسريع لعملية تآكل الشرعية الخارجية للتنظيم، لكن القوة الحقيقية للتغيير في السودان تبقى مرهونة بمدى قدرة القوى المدنية على تقديم بديل وطني شامل يحل محل شبكات المصالح القديمة. نهاية الجري وراء المصالح الفئوية الضيقة، سواء من قبل التنظيمات السياسية أو الجماعات المسلحة، هي المفتاح لضمان أن يكون مصير التغيير المستقبلي في السودان مبنيًا على أسس الدولة الوطنية المستدامة وليس على حسابات القوة العابرة. يظل الواقع السياسي الراهن سجالًا بين إرث الماضي المتشبث بالسلطة ومطالب الحاضر والمستقبل بإقامة دولة تحكمها المؤسسات والقانون.




