بين الأبارتهايد و الهيمنة النخبوية: مقارنة في تجربة جنوب أفريقيا و السودان
بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن
درس جنوب أفريقيا: عندما حكمت الأقلية (1)
هناك لحظات في التاريخ تكشف فيها الدول وجهها الحقيقي بلا أقنعة. كانت جنوب أفريقيا واحدة من تلك الحالات النادرة حين أعلنت الدولة صراحة أن المجتمع ليس متساويًا و أن أقلية بيضاء لها الحق في حكم أغلبية سوداء. هكذا وُلد نظام الأبارتهايد الذي لم يكن مجرد سياسة حكومية بل بنية كاملة لتنظيم المجتمع على أساس الفصل العنصري. لكن ما بدا يومًا نظامًا راسخًا لا يهتز انتهى في النهاية تحت ضغط مقاومة شعبية قادها رجال مثل نيلسون مانديلا و حركة تحرر غيّرت وجه التاريخ في القارة الأفريقية.
لم يكن نظام الحكم في جنوب أفريقيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين مجرد نظام سياسي تقليدي، بل كان تجربة تاريخية فريدة في التمييز المؤسسي الصريح. فقد حكمت أقلية بيضاء أغلبية السكان السود عبر منظومة قانونية صارمة عُرفت باسم الأبارتهايد، و هو نظام لم يكتفِ بإقصاء الأغلبية من السلطة، بل أعاد تنظيم المجتمع بأكمله على أساس الفصل العنصري.
كانت الدولة في ظل الأبارتهايد أداة سياسية لحماية امتيازات الأقلية. الأرض و السلطة و الاقتصاد و الحقوق السياسية جميعها خضعت لمنطق واحد؛ الحفاظ على تفوق الأقلية البيضاء. غير أن وضوح هذا النظام نفسه جعل مقاومته ممكنة و مفهومة للعالم.
فقد نشأت حركة تحرر واسعة قادها المؤتمر الوطني الأفريقي الذي أصبح الإطار السياسي الرئيسي للنضال ضد النظام. و مع تصاعد القمع تحولت المقاومة إلى حركة شعبية شاملة قادها رمز التحرر الأفريقي نيلسون مانديلا.
و قد اتخذت المقاومة في جنوب أفريقيا أشكالًا متعددة من النضال. فقد بدأ الكفاح في صور سلمية عبر المظاهرات و العصيان المدني و حملات المقاطعة التي قادها زعماء تاريخيون مثل ألبرت لوثولي و أوليفر تامبو. لكن مع تصاعد القمع و وقوع مجازر دامية مثل مذبحة شاربفيل عام 1960 انتقل جزء من الحركة إلى المقاومة المسلحة عبر الجناح العسكري المعروف باسم رمح الأمة.
إلى جانب ذلك لعبت الحركات العمالية والطلابية دورًا محوريًا في مقاومة النظام العنصري. فقد شهدت البلاد موجات واسعة من الإضرابات والاحتجاجات كان أبرزها انتفاضة سويتو 1976 التي تحولت إلى رمز عالمي لمقاومة الأبارتهايد.
كما ساهمت الضغوط الدولية في إضعاف النظام عبر حملات المقاطعة و العقوبات التي تبنتها منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، إلى أن انهار النظام رسميًا عام 1994 مع أول انتخابات ديمقراطية قادت مانديلا إلى رئاسة البلاد.
لم تكن هذه المقاومة مجرد مواجهة سياسية مع نظام حكم، بل كانت مشروعًا وطنيًا متكاملًا شارك فيه العمال و الطلاب والنقابات و الكنائس و منظمات المجتمع المدني. و هكذا دخلت جنوب أفريقيا مرحلة جديدة من تاريخها تقوم على فكرة الدولة متعددة الأعراق و المواطنة المتساوية.
غير أن هذا التحول التاريخي يطرح سؤالًا مهمًا خارج حدود جنوب أفريقيا: هل يمكن أن توجد أنظمة هيمنة لا تعلن عن نفسها صراحة كما فعل الأبارتهايد، لكنها تعمل بطرق أكثر تعقيدًا داخل الدولة؟
هذا السؤال يقودنا إلى تجربة أخرى في القارة نفسها. تجربة تختلف في شكلها لكنها تتقاطع معه في نتائجها؛ تجربة الدولة في السودان منذ الاستقلال.
ففي السودان لم تُكتب الهيمنة في القوانين كما حدث في جنوب أفريقيا، لكنها تسللت بهدوء إلى بنية الدولة نفسها حتى أصبحت جزءًا من طريقة الحكم. كيف حدث ذلك؟ و من هي القوى التي صاغت هذه المعادلة التاريخية للسلطة؟ هذا ما سنحاول تفكيكه في الجزء القادم.
سنواصل…




