
عبدالرحمن الحوار
تشير بعض التصريحات والتسريبات واللقاءات الدولية هنا وهناك الي حقيقة ان
الرهانات علي البرهان في مقدرته علي انهاء الصراع المسلح الذي يجري في السودان سلما او حربا ، تزداد يوما بعد يوم . ويبدو ان هنالك سيناريو يتكون من مسارين مختلفين يهدفان للوصول الي غاية واحدة وهى تعزيز قبضة البرهان علي المشهدين السياسي والعسكري في كل السودان او علي الاقل في كل الولايات خارج كردفان ودار فور . المسار الاول هو مساعدة البرهان في التخلص من نفوذ الاسلاميين البارزين وإنهاء هيمنتهم علي المشهدين السياسي والعسكري واجهاض محاولتهم الرامية الي تحقيق انتصار عسكري شامل علي قوات تحالف تأسيس يصب حصريا في مصلحتهم هم فقط وسيطرتهم علي الحكم كاسلاميين بلا منازع وليس في مصلحة البرهان او اية قوة عسكرية او مدنية اخري غيرهم قد تسعي لإيقاف الحرب . وقد بات من الحقائق المسلم بها ان هيمنة الاسلام السياسي اصبحت أمرا مرفوضا داخليا واقليميا ودوليا وتشن اسرائيل ودول المنطقة جميعها حربا شعواء ضد اي نفوذ قائم او محتمل لهؤلاء الاسلاميين في كامل منطقة افريقيا والشرق الاوسط . ويفترض الامريكان وحلفاؤهم الإقليميين انه اذا تخلص البرهان من نفوذ الاسلاميين الرافضين لإيقاف الحرب واحلال السلام ، فانه سيكون في وضع يصبح فيه قادرا علي إيقاف الحرب والدخول في مفاوضات جادة مع خصومه في تحالف تأسيس ومع القوي السياسية والمدنية الداعية لانهاء الحرب والعودة للمسار السلمي المدني الديمقراطيى . وربما يري العالم او علي الاقل الغرب ومعظم دول الاقليم انه لمنع الاسلاميين من تحقيق هيمنتهم الكاملة علي المشهدين السياسي والعسكري فانه سيكون من الاجدي تقوية البرهان عسكريا ومساعدته للتخلص من هؤلاء الاسلاميين عبر تسليحه واعطائه نوعا من الشرعية من خلال محاولات فك تجميد عضوية السودان في الاتحاد الافريقي وضمنيا عبر الاعتراف المشروط به من قبل الامريكان وبقية العالم كممثل مرضي عنه للسودان في المحافل الدولية وان لم يرتق الاعتراف به لدرجة رئيس شرعي للدولة السودانية . وهذا الاعتراف المحدود والمشروط مرهون بان يتخلص من الاسلاميين ويفرض هيمنته المطلقة علي قرار السلم والحرب خلال فترة زمنية محدودة عليه ان ينجز فيها هذه المهمة والا فسيفقد هذا التفويض او الاعتراف المؤقت . المسار الثاني يشترط علي البرهان ايضا ان يحقق توازنا او تفوقا عسكريا كبيرا علي قوات تأسيس يوقف علي الاقل تمددها المحتمل خارج مناطق سيطرتها في كردفان ودار فور . وكل ذلك ليعزز مصداقيته وليثبت للداخل والخارج بانه قادر علي تحقيق الانتصار بدون وجود الاسلاميين وبانه قادر علي احداث توازن استراتيجي مع الدعم السريع وحلفائه الذين يسميههم ( المتمردين !! ) في آن واحد . الحقيقة المؤسفة انه علي ضوء فشل السودانيين في حل مشاكلهم بانفسهم فان دول الغرب وعلي راسها الولايات المتحدة و غالبية دول الاقليم بدأت ترغب في ان لا يحقق اي طرف من الطرفين المتقاتلين في السودان نصرا حاسما علي الطرف الاخر والوصول بالتالي بدلا من ذلك الي حالة من الانهاك المتبادل وتوازن الضعف تسمح فعلا بالتدخل الخارجي والتحكم في مصير السودان وهندسة أوضاعه لتصب في مصلحة الاطراف الخارجية المتخرطة في الصراع اكثر من العمل علي مصلحة الشعوب السودانية نفسها . العالم الخارجي ربما لا يعرف ان اي سلاح يأتي للبرهان من الخارج سيقع تلقائيا في يد الحركة الاسلامية وانه لن يكون للبرهان سيطرة عليه . ويبدو ان هنالك احتمالية في ان يكون البرهان قد نجح فعلا في مرحلة ما من اقناع الامريكان وغيرهم بقدرته علي التحكم بهذا السلاح وانه يضمن للجميع المراهنة علي نجاحه في انجاز المهمة والا لما دعاه الامريكان للاجتماع به مؤخرا في سويسرا . لكن الاختبار الاكبر الذي يواجه البرهان يكمن في ان البرهان نفسه يعلم جيدا ان العالم يدرك تماما ان الاسلاميين هم من اشعلوا الحرب وأنهم هم من يسعي للهيمنة الكاملة علي السلطة في السودان وتحويله الي دولة اسلاموية داعشية متطرفة في قلب افريقيا والبرهان يعلم انه لا يستطيع ان يخدع العالم و يجعلهم يصدقون ان الوضع بخلاف ذلك . وهذا العالم يراقب بدقة ويعلم انه من الصعب ان لم يكن من المستحيل علي البرهان ان ينجز مهمة التخلص من الاسلاميين ولكن العالم مع ذلك سيعطيه فرصة اخيرة لإثبات مزاعمه بإنجاز المهمة . ولعل المحصلة الاكثر ترجيحا هي ان الامريكان وحلفاءهم في المنطقة سيصلون قريبا الي النتيجة المتوقعة والتي تقول : لقد اعطيناك يابرهان الفرصة للتخلص من الاسلاميين وكبح جماح تمدد الدعم السريع وحلفائه ، ولكنك فشلت في كلتا المهمتين كما كان متوقعا منذ البداية ، فلذلك يابرهان هنا ينتهي دورك ( مشكورا ) ليبدأ دورنا في ترتيب أوضاع البلد بالتعاون مع القوي المدنية والعسكرية الحقيقية في البلد التي تسعي الي إيقاف الحرب واحلال السلام والعودة للمسارالمدني الديمقراطي . اغلب الظن هنا انه عندما يتيقن الامريكان وحلفاؤهم الاقليميون بعدم مقدرة البرهان علي انجاز المهمة ، قد يكلفونه بمهمة اخيرة ونهائية وهي ان يعلن انهاء الحرب من خارج السودان بعد ان يوفروا له الضمانات الكاملة بالإقامة والحماية اللازمة و الآمنة له ولاسرته في اي مكان يرونه مناسبا .. لان البرهان اذا أعلن إيقاف الحرب من داخل السودان سيقتله الاسلاميون بطبيعة الحال . سيدرك العالم انه حتي بعد اعلان البرهان إيقاف الحرب ،فان الحرب لن تتوقف مما سيؤكد المؤكد وهي حقيقة ان من اشعل الحرب ومن يسيطر عليها ويدعو لاستمرار نيرانها ويرفض ايقافها إنما هم الاسلاميون .
البرهان حقيقة هو العوبة في يد مجموعة كرتي التي تستخدمه للتخلص من المجموعات المنافسة لها ضمن الحركة الاسلامية نفسها . واغلب الظن ان هذه المجموعة ستستمر في تمويل وتسليح الكتائب الإرهابية التابعة لها و تمويل وتسليح المليشيات القبلية الواقعة تحت توجيهاتها مثل المشتركة والكيكلاب وستستمر في جلب شتي انواع المرتزقة الأجانب .
….. ….
الامريكان والاسرائليون ودول الاقليم وخاصة غالبية دول الخليج حريصون حقيقة في منع انفراد الاسلاميين بالحكم في السودان وأمام أعينهم تجاربهم المريرة مع الايرانيين والحوثيين وحزب الله وحماس بالمنطقة .. انظروا كيف انهكت حماس اسرائيل وهي تقاتلها في بقعة صغيرة لا تزيد مساحتها عن بضع عشرات
الكيلومترات فما بالكم بوجود دولة داعشية ضخمة في الطرف الغربي من البحر الأحمر؟؟!.
……..
السؤال هو هل هذه الرهانات علي البرهان لتحقيق هذا الانتصار المزدوج علي الاسلاميين وعلي تمدد ( المتمردين ! ) علي حد زعم البرهان ، يسنده الواقع ام هي محض خيال وامنيات ؟؟.
الاجابة المباشرة هي ان لاسند لهذه الرهانات في الواقع .
فالواقع يشير الي ان البرهان غير قادر عمليا علي انجاز اي من المسارين سواء اعطي مهلة زمنية مقيدة او مفتوحة . فالاسلاميون متغلغلون في الجيش لدرجة الهيمنة الكاملة و في ايديهم كل الأسلحة الحساسة ومسيطرين بالكامل علي اجهزة الأمن والمخابرات ولهم كتائب إسلامية خاصة في حوزتها الطيران والمسيرات و الأسلحة المحرمة و موجودين في كل مفصل من مفاصل الدولة ويهيمنون علي كل مصادر التمويل تقريبا وعلي اقتصاد البلد ولهم حلفاء في الداخل والخارج . لايستطيع البرهان ان يفعل اي شيء او حتي ان يتنفس بمعزل عن الاسلاميين الموجودين علي هيئة طبقات او صفوف : صف اول وثاني وثالث ورابع ….الخ . فعلي سبيل المثال الاقالات التي أجراها البرهان مؤخرا في صفوف كبار الضباط الاسلاميين في الجيش ،حل محل وظائفهم ضباط اسلاميون آخرون من الصف الثاني . وهؤلاء بدورهم تابعين للفصيل الاكثر تطرفا وهو الفصيل الذي يقوده علي كرتي وعلي عثمان محمد طه وغيرهم من صقور الحركة الإسلامية. وهؤلاء هم الداعمون الرئيسيون للحرب ويؤمنون ان لاسبيل لهيمنة الاسلاميين علي الدولة سوي بالاستمرار في الحرب حتي الانتصار النهائي علي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقهم وهي قوات تحالف تأسيس والتي يعتقدون ان بامكانهم تحقيق الانتصار عليها . والنتيجة ان إجراءات البرهان اضعفت موقفه لمصلحة الاسلاميين بدلا من ان تقويه عليهم . اما المسار الرامي الي إضعاف قوات تحالف تأسيس فلا يلوح في الافق ان البرهان سيحقق عليها اي نصر استراتيجي حاسم في الميدان . فاخر نقطة لوجود الجيش وحلفائه في دار فور وهي الفاشر لم يتبق من سيطرة قوات تاسيس عليها سوي سويعات وربما ايام قليلة للغاية . وكردفان اصبحت مصيدة و مقبرة لجيش البرهان والكتائب والمليشيات التي تقاتل معه ، فضلا عن ان قوات تأسيس تتضخم باستمرار عبر تخريج دفعات متتالية من المقاتلين وهي في طريقها للتحول الي حكومة تسعي للسلم وتستعد للحرب في آن واحد .
النتيجة ان العالم سيكتشف عاجلا وليس اجلا ان الرهان علي البرهان كان رهانا خاسرا ، وان ماظهر لوهلة كسحابة ماطرة لم يكن في حقيقته سوي برقا خلبا .




