
نجم الدين دريسة
الأوطان لا تنهار لأن شعوبها متعددة، بل لأنها تفشل في تحويل هذا التعدد إلى عدالة
لم تكن مأساة السودان يومًا في تعدده، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا التعدد، أو بالأحرى في الطريقة التي جرى بها إنكاره وإقصاؤه وتحويله من نعمة تاريخية إلى عبء سياسي. فالسودان، بما يحتضنه من فسيفساء إثنية وثقافية ودينية وجغرافية نادرة، كان مؤهلاً لأن يكون واحدًا من أكثر بلدان القارة الأفريقية ثراءً في التجربة الوطنية، وأعمقها في المعنى الإنساني، وأوسعها في إمكانات التماسك والاستقرار. غير أن هذا الغنى الهائل لم يُقرأ بوصفه طاقة تأسيس، بل عومل طويلًا كمعضلة ينبغي قمعها، أو كاختلاف يجب صهره قسرًا داخل قالب أحادي ضيق، لا يرى الوطن إلا من زاوية المركز، ولا يعترف بالمواطنة إلا بقدر ما تنصاع للهامشيات المفروضة عليه.
إن جوهر الأزمة السودانية لم يكن في وجود التعدد، وإنما في العقل السياسي الذي رفض الاعتراف به، وسعى، منذ فجر الاستقلال، إلى بناء دولة بوجه واحد ولسان واحد وخيال واحد. فقد ورثت النخب التي تسلمت مقاليد الحكم بنية استعمارية مختلة، لكنها لم تعمل على تفكيكها أو إعادة تأسيسها على أسس وطنية عادلة، بل أعادت إنتاجها بصورة أكثر قسوة وانغلاقًا. وهكذا نشأت دولة ما بعد الاستقلال محكومة بذهنية مركزية ضيقة، استأثرت بالسلطة والثروة والرمزية الوطنية، واحتكرت تعريف الهوية السودانية وفق منظورها الخاص، بينما دفعت بالمكونات الأخرى إلى هامش الاعتراف، ثم إلى هامش الفعل، ثم إلى هامش الوطن ذاته.
لقد جرى الترويج طويلًا لشعارات من قبيل الوحدة الوطنية والتماسك القومي، لكنها كانت، في كثير من الأحيان، مجرد ستار بلاغي يخفي وراءه ممارسات إقصائية عميقة. إذ لم تُبنَ الوحدة على قاعدة العدالة، بل على قاعدة الهيمنة، ولم يُفهم الانتماء الوطني باعتباره شراكة متساوية بين شعوب وثقافات متعددة، بل باعتباره خضوعًا لمركز يرى نفسه أصل البلاد وصاحب الحق الحصري في تمثيلها. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن يتنامى الشعور بالغبن في أقاليم واسعة من السودان، وأن تتراكم المرارات التاريخية جيلاً بعد جيل، حتى تحولت إلى وقود دائم للتمرد والاحتجاج والعنف.
وما فاقم هذه المعضلة أن السلطة المركزية لم تستخدم أدوات الدولة لبناء عقد اجتماعي جامع، بل سخّرت الدين والعرق والثقافة توظيفًا سياسيًا مباشراً، فحوّلت عناصر التماسك الممكنة إلى أدوات للفرز والتصنيف والإقصاء. وبدل أن يكون الدين قيمة روحية جامعة، جرى توظيفه كآلية للشرعية السياسية والضبط الاجتماعي. وبدل أن تكون الهوية الثقافية مجالًا رحبًا للتفاعل والإثراء، حُوّلت إلى معيار للتمايز والامتياز. وهكذا لم تعد الحروب التي شهدها السودان مجرد نزاعات مسلحة منفصلة، بل صارت التعبير الأكثر دموية عن فشل الدولة في إدارة التعدد، وعن عجزها البنيوي عن الاعتراف المتساوي بمواطنيها.
ومن هذا المنظور، فإن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 لا يجوز اختزالها في كونها مجرد صراع على السلطة بين قوتين عسكريتين، لأن هذا التوصيف، على شيوعه، يبقى قاصرًا عن إدراك الجذور الأعمق للمأساة. فهذه الحرب، في أحد وجوهها الكبرى، هي امتداد لصراع قديم حول سؤال الدولة نفسها: من يملكها؟ ومن يُعرّف هويتها؟ ومن يحتكر الحديث باسم الوطن؟ ومن يُقصى من معناه ومصيره؟ ولذلك فإن القراءة السطحية التي تردّ ما جرى إلى تنازع عسكري محض، تتجاهل أن خلف هذا الانفجار تاريخًا طويلًا من التهميش، والاحتكار، وإعادة إنتاج المركز بوصفه سلطة مغلقة على ذاتها، لا تسمع إلا صوتها، ولا ترى في مطالب الأطراف سوى تهديد يجب احتواؤه أو سحقه.
لم يكن ما يُسمى بالهامش السوداني متمردًا بطبيعته، ولا مولعًا بالفوضى كما حاولت بعض السرديات الرسمية أن توحي، بل كان في جوهره فضاءً بشريًا واسعًا تعرّض للإهمال المنهجي، والحرمان المتراكم، والإقصاء المستمر من دوائر القرار والثروة والاعتراف. وحين تُغلق أبواب السياسة، وتُحتكر فرص التنمية، وتُصادر الرمزية الوطنية، يصبح الغضب لغةً اضطرارية، وتصبح المقاومة، بأشكالها المختلفة، تعبيرًا عن توق عميق إلى العدالة لا إلى التخريب.
وفي المقابل، تقدم تجارب أمم أخرى دروسًا بليغة في كيفية تحويل التنوع إلى مصدر قوة لا إلى ذريعة للتمزق. فالدول التي نجحت في بناء أوطان متماسكة لم تفعل ذلك بإنكار الفوارق، بل بالاعتراف بها وتنظيمها في إطار دستوري عادل يضمن المشاركة، ويمنع الاحتكار، ويوزع السلطة والثروة على نحو متوازن. ليست العبرة في أن تكون البلاد متعددة أو متجانسة، بل في نوع الفلسفة السياسية التي تحكمها، وفي قدرة مؤسساتها على استيعاب اختلافات المجتمع داخل مشروع وطني واسع لا يشعر فيه أحد بأنه زائد عن الحاجة أو ناقص الأهلية أو مؤجل الاعتراف.
ومن هنا، فإن الخروج الحقيقي من الأزمة السودانية لا يمكن أن يتم عبر تسويات سطحية أو ترتيبات فوقية تعيد تدوير البنية القديمة بوجوه جديدة، وإنما يقتضي شجاعة تاريخية في الاعتراف بأن الدولة السودانية بصيغتها المركزية الموروثة قد أخفقت إخفاقًا عميقًا في أداء وظيفتها الوطنية. المطلوب ليس مجرد إصلاح إداري محدود، بل إعادة تأسيس شاملة لفكرة الدولة نفسها، على قاعدة الاعتراف الصريح بالتنوع، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وصياغة دستور جديد يشارك فيه الجميع بلا وصاية ولا إقصاء ولا امتيازات تاريخية مغلقة.
إن السودان لا يحتاج إلى خطاب تجميلي عن التعدد، بل إلى مشروع سياسي وأخلاقي يعيد للتنوع مكانته بوصفه حجر الأساس في بناء الوطن الجديد. يحتاج إلى عقلية تشاركية تحل محل ذهنية السيطرة، وإلى فيدرالية حقيقية لا شكلية، وإلى مناهج تعليمية تعكس وجوه البلاد كلها، وإلى مؤسسات حكم ترى في الاختلاف ثراءً لا خطرًا، وفي الشراكة الوطنية التزامًا لا منّة. فالتنوع لا يصنع الحروب، وإنما يصنعها الظلم حين يتخفى في هيئة دولة.
لقد آن للسودان أن يتخفف من أوهام المركز، وأن ينصت بصدق إلى الأصوات التي ظلت طويلًا تُدفع إلى الظل. آن له أن يدرك أن الوطن لا يُبنى بإخضاع مكوناته، بل بإنصافها، ولا يستمر بالقهر، بل بالعدالة. وما لم يتحول التنوع من فضيلة مهدرة إلى مشروع تأسيسي جامع، فستظل البلاد تدور في الحلقة نفسها، تُبدّل الوجوه وتبقي الجرح مفتوحًا. أما إذا امتلك السودانيون الشجاعة الكافية للاعتراف المتبادل، وبناء دولتهم على قاعدة المواطنة المتساوية، فإن هذا البلد المنهك يستطيع، رغم كل ما مرّ به، أن يولد من جديد أكثر نضجًا واتساعًا وعدلًا.




