رأي

حين يتحول الدين الي سلطة: سنوات التيه باسم الدين!!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

ليس أخطر على الأديان من الذين يتخذونها طريقًا إلى الحكم

من أكثر المفارقات إيلامًا في التاريخ السياسي السوداني أن يُستدعى الإسلام، وهو دين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ليكون غطاءً لتجربة حكم ارتبطت في ذاكرة السودانيين بالفساد والاستبداد والحروب. فقد دخلت الحركة الإسلاموية إلى السلطة وهي ترفع شعارات دينية كبيرة تتحدث عن العدالة والشورى وبناء المجتمع الفاضل، غير أن ما جرى على أرض الواقع كان شيئًا مختلفًا تمامًا، إذ تحولت تلك الشعارات إلى أدوات سياسية للوصول إلى الحكم وترسيخ سلطة مغلقة لا تقبل النقد ولا الشراكة.

لقد كانت تجربة حكم الإسلامويين في السودان واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث. فبدل أن تسهم في بناء دولة المؤسسات والقانون، أدت سياساتها إلى إضعاف الدولة وتعميق الانقسامات داخل المجتمع. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل كانت تلك التجربة تعبيرًا حقيقيًا عن قيم الإسلام، أم أنها كانت استخدامًا سياسيًا للدين من أجل السيطرة على السلطة؟

إن الدولة الحديثة، في جوهرها، تقوم على فكرة العقد الاجتماعي، أي على اتفاق بين الشعب والحكومة يضمن الحقوق والواجبات المتساوية لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجهة. غير أن التجربة الإسلاموية في السودان سارت في اتجاه مغاير تمامًا، إذ قامت على تصور أيديولوجي يرى في السلطة وسيلة لفرض رؤية تنظيمية ضيقة على مجتمع متعدد ومعقد.

وهنا تحضر المقولة الشهيرة لرئيس الوزراء السوداني الراحل محمد أحمد المحجوب، حين قال إن الحاكم المؤمن لن يدخل الناس الجنة، والحاكم الملحد لن يخرجهم منها، وأن وظيفة الحكومة ليست إدخال الناس الجنة، بل توفير حياة كريمة لهم على الأرض. هذه الحكمة تلخص جوهر المشكلة في تجربة الإسلام السياسي، حيث جرى الخلط بين الدين بوصفه عقيدة روحية، وبين الدولة بوصفها مؤسسة سياسية مدنية.

لقد مارست الحركة الإسلاموية خلال سنوات حكمها سياسات تركت آثارًا عميقة على بنية الدولة السودانية. فمن خلال سياسة التمكين، جرى إقصاء آلاف الكفاءات المهنية من الخدمة المدنية والمؤسسات العامة، واستبدالهم بعناصر تدين بالولاء السياسي للتنظيم. هذا النهج أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وفقدانها لخبراتها المتراكمة، ما انعكس بصورة مباشرة على كفاءة الإدارة العامة.

وفي المجال الاقتصادي، شهد السودان تدهورًا كبيرًا نتيجة السياسات التي اتبعتها السلطة آنذاك. فقد جرى احتكار قطاعات واسعة من الاقتصاد لصالح شبكات مرتبطة بالتنظيم، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية والضريبية وامتيازات الاستيراد والتصدير. كما رافقت عمليات الخصخصة شبهات واسعة حول الفساد وسوء الإدارة، خاصة في ما يتعلق ببيع أو تفكيك مؤسسات وطنية مهمة مثل الخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية والنقل النهري والمؤسسات الميكانيكية.

وكانت نتيجة هذه السياسات انهيارًا اقتصاديًا متسارعًا. فقد تراجعت قيمة العملة السودانية بصورة حادة، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة، وتراكمت الديون الخارجية، بينما عانى المواطنون من تدهور مستوى الخدمات الأساسية. وبالتوازي مع ذلك، جرى توجيه موارد الدولة، بما فيها عائدات النفط، نحو تعزيز الأجهزة الأمنية والعسكرية بدل توظيفها في التنمية وتحسين حياة المواطنين.

أما على الصعيد الأمني والسياسي، فقد شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في النزاعات المسلحة في عدد من الأقاليم، من بينها دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. هذه الحروب خلفت مآسي إنسانية كبيرة، حيث قُتل مئات الآلاف وشُرد الملايين، وتعرضت مجتمعات كاملة للنزوح والتهجير القسري. كما ارتبطت تلك النزاعات باتهامات خطيرة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، وهي قضايا ظلت موضع اهتمام المجتمع الدولي لسنوات طويلة.

إلى جانب ذلك، ارتبطت صورة السودان في الخارج بسياسات النظام وعلاقاته المثيرة للجدل مع عدد من الحركات والتنظيمات المسلحة. وقد أدى ذلك إلى فرض عقوبات دولية وعزلة سياسية واقتصادية خانقة على البلاد، ما فاقم الأزمات الداخلية وأضعف فرص التنمية والاستقرار.

لقد أدت هذه السياسات مجتمعة إلى خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي والسياسي داخل السودان. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية، بدأت قطاعات واسعة من الشعب السوداني تطالب بالتغيير. وعندما اندلعت الثورة الشعبية ضد النظام، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع السياسي حول مستقبل السلطة والدولة.

وفي هذا السياق، تبدو كلمات المفكر السوداني محمود محمد طه ذات دلالة عميقة حين تحدث قبل عقود عن تجربة ما سماه “جماعة الهوس الديني”، محذرًا من أنها ستقود البلاد إلى فتنة كبيرة قبل أن تنتهي. وبالنظر إلى ما شهده السودان من أزمات سياسية وحروب وانقسامات، يرى كثيرون أن تلك النبوءة بدت وكأنها تتحقق بصورة مؤلمة في الواقع.

إن التجربة الإسلاموية في السودان تقدم درسًا سياسيًا مهمًا مفاده أن استخدام الدين كأداة للوصول إلى السلطة قد يقود في النهاية إلى نتائج عكسية، ليس فقط على مستوى الدولة، بل أيضًا على مستوى صورة الدين نفسه. فالدين، حين يتحول إلى وسيلة للصراع السياسي، يفقد الكثير من معانيه الروحية والأخلاقية.

واليوم، يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام التنوع. فالمستقبل الذي يتطلع إليه السودانيون لا يمكن أن يقوم على الاحتكار الأيديولوجي أو الإقصاء السياسي، بل على عقد اجتماعي جديد يضمن الحرية والكرامة والعدالة لجميع المواطنين.

إن الطريق إلى ذلك المستقبل ليس سهلًا، لكنه ممكن إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة والرغبة الحقيقية في تجاوز أخطاء الماضي. فالأمم، مهما تعثرت، تستطيع أن تنهض من جديد حين تتعلم من تجاربها، وتدرك أن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، بل بالمؤسسات والعدالة واحترام الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!