رأي

قراءات ما بين (الله أكبر): بين العفوية والتأطير السياسي

مصطفى أحمد صالح الشفيع

مصطفى أحمد صالح الشفيع

في ميادين القتال، لا تُستخدم الشعارات بوصفها مجرد عبارات حماسية عابرة، بل تتحول إلى أدوات تعبوية تعكس هوية المشروع السياسي وتكشف عن خلفياته الأيديولوجية. فالشعار، في لحظة الاشتباك، لا يعبّر فقط عن الروح المعنوية، بل يختزل رؤية كاملة لطبيعة الدولة المنشودة، وحدود الانتماء، وأفق الصراع.

على هذا الأساس، ارتبط شعار (SPLM-N Oyee) تاريخياً بالحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبدالعزيز آدم الحلو، بوصفه تعبيراً عن إرث نضالي متراكم، وإشارة واضحة إلى الانضباط التنظيمي والالتزام الفكري. وقد شكّل هذا الشعار، عبر الزمن، علامة تعريف سياسية لا لبس فيها، تعكس طبيعة المشروع الذي تتبناه الحركة.

في المقابل، تعتمد قوات الدعم السريع شعار (جاهزية – سرعة – حسم) كصيغة تنظيمية تعبّر عن طابعها العملياتي، إلا أن حضور شعار (الله أكبر) في سياق التعبئة الميدانية يفتح الباب أمام قراءات متعددة تتجاوز المعنى المباشر. فالإشكال لا يكمن في الشعار ذاته، بل في ازدواجية دلالته؛ إذ يمكن أن يُفهم كتعبير تلقائي عن الحماسة والانخراط اللحظي في المعركة، بينما قد يُفسَّر، لدى بعض الحلفاء – خاصة ضمن مشروع الدولة العلمانية – كإشارة إلى بعد ديني مؤدلج داخل الفعل العسكري.

هذا التباين في الفهم يضع القوى السياسية المنضوية تحت تحالف السودان الجديد – نيروبي، بما في ذلك الحركة الشعبية، أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في ضبط الخطاب التعبوي وتوحيد رمزيته. فنجاح أي مشروع سياسي، خاصة إذا كان قائماً على أسس علمانية، يقتضي وضوحاً كاملاً في أدوات التعبئة، بما يمنع الالتباس ويعزز الثقة بين مكوناته المختلفة.

غير أن قراءة شعار (الله أكبر) لا يمكن اختزالها في بعد واحد؛ ففي البيئات الريفية والزراعية والبدوية، حيث ينتمي قطاع معتبر من المقاتلين، يُطلق هذا الشعار بوصفه تعبيراً عفوياً عن الاندفاع الجماعي والانتماء اللحظي، دون أن يحمل بالضرورة مضموناً أيديولوجياً منظماً. إلا أن غياب التأطير الواضح لهذا الاستخدام يترك المجال مفتوحاً أمام تأويلات متباينة، قد تُربك الرسالة السياسية وتُضعف تماسك التحالف.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة واعية للخطاب التعبوي، تقوم على التمييز بين العفوي والمؤدلج، دون إقصاء أو تبسيط مخل. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في منع الشعارات، بل في إعادة تعريفها ضمن إطار سياسي واضح، ينسجم مع مشروع السودان الجديد، ويعكس هويته القائمة على العدالة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون.

إن توحيد الخطاب ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان وضوح الرؤية وتماسك المشروع، في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات الانضباط السياسي والرمزي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!