
آدم موسى عبدالله
ليس كل نداءٍ للعودة فعلاً وطنياً، ولا كل خطاب يُرفع باسم الخرطوم جديراً بأن يمثلها. فالصورة المتداولة التي تُظهر إطلاق نار في أحياء الصحافة وأركويت لا يمكن التعامل معها باعتبارها توثيقاً لحالة أمنية عابرة، بل هي خطاب سياسي كامل، مشحون بالرموز والدلالات، ويحمل رسالة ضمنية واضحة: هذه هي الخرطوم، وإن عدتم، فعودوا تحت ظل السلاح.
وهنا تتكثف الأسئلة الحرجة. كيف يمكن لمشهد رصاص في قلب العاصمة أن يتحول إلى لافتة تُرفع باسم “العودة”؟ وكيف يُراد للخوف أن يكون بديلاً للطمأنينة، وللقوة العارية أن تحل محل فكرة الدولة؟ أي منطق هذا الذي يتصور أن الرصاصة يمكن أن تُقنع المواطن بأن الوطن صار آمناً، أو أن العنف يمكن أن يُنتج شعوراً بالانتماء؟
الخرطوم التي غادرها أهلها لم تكن مدينة كراهية أو رفض للحياة، بل مدينة أُنهكت حتى العظم. غادرها الناس لأن الدولة غابت، ولأن المؤسسات انهارت، ولأن الحياة اليومية توقفت، ولأن الرصاصة صارت أقرب من الرغيفة، وأخف وزناً من القانون. خرجوا لأن البقاء أصبح مقامرة مفتوحة مع الموت، لا قراراً حراً في وطن آمن.
العودة، في معناها الحقيقي، ليست قراراً عاطفياً، ولا حملة إعلامية، ولا خطاب تعبئة. العودة عقد أخلاقي وسياسي بين الدولة والمواطن: أُعيدك فأحميك، أفتح لك الطريق، أضمن حياتك وكرامتك، وأوفر لك الحد الأدنى من شروط العيش الإنساني. غير أن ما يُعرض اليوم هو عكس ذلك تماماً؛ استعراض قوة بلا مشروع دولة، وصورة سلاح بلا أفق حياة.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يخاطب اللاجئين أو النازحين، ولا يتوجه لمن اكتووا فعلياً بنيران الحرب، بل يُوجَّه إلى جمهور داخلي يبحث عن طمأنة نفسية زائفة، وعن إحساس مؤقت بالسيطرة، حتى لو كانت تلك السيطرة لا تتجاوز التحكم في مشهد الخراب نفسه.
الخرطوم لا تحتاج لمن يثبت وجوده فيها بإطلاق النار. الخرطوم تحتاج من يعيد لها معناها الحقيقي: مدينة للناس لا ثكنة للعسكر، فضاء للحياة لا منصة للنار. من يريد عودة جادة، فليعرض صورة مستشفى يعمل، مدرسة تفتح أبوابها، شارع بلا متاريس ولا فوهات بنادق. غير ذلك، فكل نداء للعودة ليس سوى دعوة للمخاطرة، وكل صورة رصاص مهما زُيّنت بالشعارات تبقى اعترافاً صريحاً بأن الخرطوم لم تُسترد بعد.



