رأي

كاربينو يكتب… إليكم ندائي يا رفاق تأسيس ، من القواعد يبدأ الوعي السياسي وبناء الهياكل

 

ليس هذا المقال تنظيراً خارج اللحظة، بل نداء صريح إلى رفاق الطريق، إلى المؤمنين بأن بناء وطن ما بعد الحرب ليس مسؤولية النخب وحدها، بل هو واجب جماعي يبدأ من تحت، من الأحياء و الفرقان والأسواق ، من الساحات التي شهدت المعاناة والحلم معاً ، “تحالف تأسيس” ليس مجرد صيغة سياسية، بل تعبير عن لحظة تأسيسية تستوجب وضوح الرؤية، ورسوخ الإرادة، ودقة التنظيم.

في لحظة التحولات الكبرى تتجسد لحظة صعود الحلم الوطني من بين رماد الحرب، يصبح تأسيس البنية التنظيمية شرطاً جوهرياً لأي مشروع سياسي يطمح إلى تجاوز اللحظة العابرة إلى أفق التاريخ ، إنها ليست مجرد دعوة للتنظيم، بل نداء عميق لإعادة هيكلة العلاقة بين المجتمع والدولة، بين الفكرة والممارسة، بين الرؤية والممكن.

لا يمكن أن تنجح أي بنية سياسية إن لم تكن جذورها ضاربة في الأرض، من الأحياء والأسواق، من المساجد والكنائس والميادين والأزقة ، من وجوه الشباب الذين احترقوا بنيران المركز وهم يحلمون بالعدالة، ومن النساء اللواتي صمدن في أطراف المدن والقرى يحملن عبء البقاء والأمل معاً ، البناء القاعدي ليس تقنية تنظيمية، بل فلسفة في الحُكم ، تعني أن نبدأ من الناس، لا أن نفرض عليهم أجندة نخب عليا منفصلة عن واقعهم.

المرحلة تستدعي هياكل متوازية تتوزع من القاعدة إلى القمة، لا تعلو فيها جهة على أخرى إلا بقدر التمثيل والمسؤولية ، من الحي حتى أعلى الهرم، تُبنى هذه الهياكل بإرادة تشاركية، ويُسند كل مستوى منها برؤية واضحة وبتفويض شعبي حي، لتُشكل في مجموعها البنية الحية للحُكم الراشد المنشود.

إنزال الرؤية السياسية إلى الناس ليس ترجي ، بل ضرورة وجودية ، لا بد من خطاب سياسي موحد، لا يُقصي ولا يُجامل، خطاب يتكئ على وضوح الفكرة ومتانة الموقف، ويُعيد تعريف السياسة بوصفها خدمة لا سلطة، وعدالة لا توازنات، أخلاقاً لا انتهازاً.

ورش العمل الفكرية حول الدستور الانتقالي لا يجب أن تكون نُخبويّة معزولة، بل مساحات مفتوحة للعقل الجمعي، تُنير الطريق وتُفكك المفاهيم التي طالما استخدمها خصوم التغيير كأدوات للتخويف والإرباك ، وعلى رأس هذه المفاهيم، مفهوم العلمانية، الذي لابد من تفكيكه بوضوح مكتوب وسرد عقلاني يشرح الفرق بين الحياد الديني للدولة واحترام الخصوصيات الدينية للمجتمع، بين الدولة ككيان جامع، والعقيدة كخيار فردي مقدس.

التحرك السياسي من العاصمة نيالا نحو بقية الولايات والمحليات ليس تدرجاً جغرافياً ، بل هو تعبير عن مركزية الهامش، عن إعادة الاعتبار للمناطق التي لطالما كانت في الهامش الإداري والسياسي ، ومن خلال اللقاءات السياسية، يُعاد تشكيل الخيال السياسي العام، ويتحول الشركاء من متلقين إلى فاعلين، ومن مؤيدين إلى شركاء فعليين في التخطيط والتنفيذ.

الورش التدريبية للشركاء ضرورة قصوى، فهي التي تؤسس لبنية إدارية واعية، ولجهاز سياسي منضبط وقادر على التواصل والتنظيم والتعبئة ، القيادة هنا ليست امتيازاً بل مسؤولية، والهيكلة ليست تزكية، بل واجب مقدس لإشراك كل من له رغبة وقدرة على البناء.

إن الإشراف على البناء التنظيمي ليس مهمة تنفيذية فقط، بل هو مشروع وعي مستمر، يُنقِح الخطاب، ويُراجع الآليات، ويُقوِم الأداء، ويتفاعل مع نبض الشارع ، فالتنظيم الذي لا يتغذى من الناس، ولا يصغي إليهم، سرعان ما يتحول إلى بيروقراطية مغلقة، أو طائفة سياسية عاجزة عن الحياة.

إن تأسيس هذه المرحلة لا ينجح إلا حين نفهم أن الدولة تبدأ من الحي، وأن التنظيم ليس شكلاً بل مضمون، وأن الفكرة إذا لم تتحول إلى ممارسة يومية فاعلة، فلن تتجاوز حيز الحلم ، أما إذا نجحنا في بناء هذا الهيكل القاعدي الحي، المنفتح، الواعي، فإننا نكون قد وضعنا الأساس المتين لأول دولة سودانية بعد الحرب، دولة لا تختبئ خلف المركز، بل تنطلق من قلب المواطن، من حقه في أن يكون فاعلاً، مشاركاً، ومؤسساً، ومن هناك فقط تبدأ القصة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!