لماذا نغتال الشخصية بدلاً من مناقشة الفكرة؟

لماذا نغتال الشخصية بدلاً من مناقشة الفكرة؟
بقلم: الدكتورة اخلاص قرنق
في المجتمعات التي تضعف فيها ثقافة الحوار، لا يحتاج الإنسان إلى أن يثبت أن ما قاله خطأ حتى يتم إسكاتُه؛ يكفي أحياناً أن يقول شيئاً لا يعجب أصحاب النفوذ، أو أن يقترب من منطقة محرّمة، أو أن يفتح ملفاً اعتاد الناس أن يمروا بجانبه في صمت.
وهنا تبدأ الحكاية.
بدلاً من أن يُناقش ماذا قال؟
يبدأ السؤال: من هو؟
بدلاً من تفنيد المعلومة، نفتش في تاريخه.
بدلاً من الرد على الحجة، نفتش عن عائلته وعلاقاته وانتماءاته.
بدلاً من تقديم دليل مضاد، نطلق عليه وصفاً جاهزاً: خائن، عميل، مأجور، حاقد، انتهازي، أو عدو.
وهكذا تتحول المعركة من معركة أفكار إلى اغتيال للشخصية.
لماذا نخاف من النقد؟
لأن النقد الحقيقي يضع المرآة أمامنا.
النقد لا يعني بالضرورة الكراهية، والاختلاف لا يعني العداء، وطرح الأسئلة لا يعني المؤامرة.
قد أختلف معك بشدة، وأنتقد موقفك، وأرفض قرارك، بل وأقول إنني أرى في موقفك خطأً كبيراً، ومع ذلك لا أحتاج إلى إهانتك أو تخوينك أو التشكيك في وطنيتك.
الفكرة تُناقش بالفكرة، والمعلومة تُواجه بالمعلومة، والاتهام يُواجه بالدليل.
أما أن نقتل صاحب السؤال لأننا لا نريد الإجابة عليه، فهذه ليست قوة في الحجة؛ إنها هروب من الحجة.
لماذا نخون كل من يتحدث عن الحقائق؟
هناك سؤال يستحق أن نتوقف أمامه:
متى أصبح كشف الحقيقة خيانة؟
ولماذا يصبح الإنسان وطنياً عندما يصمت، وخائناً عندما يسأل؟
لماذا نطالب الناس بالوطنية ثم نضع تعريفاً للوطنية لا يسمح إلا برأي واحد؟
الوطن ليس ملكاً لحزب، ولا لجماعة، ولا لمؤسسة، ولا لشخص.
ومن يحب وطنه ليس مطالباً بأن يصمت عن أخطائه.
على العكس، فإن حب الوطن الحقيقي يفترض القدرة على رؤية أخطائه والحديث عنها، لأن الوطن الذي لا نستطيع نقده يتحول مع الوقت إلى وطن نخاف فيه من بعضنا البعض.
أخطر ما في اغتيال الشخصية
أن اغتيال الشخصية لا يقتل شخصاً واحداً فقط.
إنه يقتل المجال العام.
فعندما يرى الناس أن من يتحدث يُشتم، ومن يسأل يُخوّن، ومن يكشف معلومة يُحاصر، ومن ينتقد يُتهم بالعمالة، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي:
اصمتوا… فالحديث له ثمن.
وعندها يبدأ الصمت الجماعي.
ليس لأن الناس اقتنعت، وإنما لأنها خافت.
وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي مجتمع؛ عندما يصبح الإنسان مشغولاً بحماية نفسه من الاتهامات أكثر من انشغاله بالبحث عن الحقيقة.
النقد ليس عداءً
هناك فرق كبير بين أن أختلف معك وبين أن أكرهك.
وبين أن أنتقد قراراً وبين أن أستهدف شخصك.
وبين أن أقول إنني أرى خطأً في مؤسسة ما وبين أن أكره المؤسسة.
وبين أن أسأل عن المال العام وبين أن أكون عدواً للدولة.
النقد أحد أدوات الإصلاح، وليس إعلان حرب.
قد يكون النقد قاسياً، وقد يكون صاحبه مخطئاً، وقد تكون معلوماته ناقصة؛ لكن الرد الطبيعي عليه هو التصحيح والتوضيح والحجة، وليس التشهير.
إذا كانت المعلومة خاطئة، فصححوها.
إذا كان الرقم غير صحيح، قدموا الرقم الصحيح.
إذا كان الاتهام بلا دليل، قدموا الدليل الذي ينفيه.
إذا كانت الرواية ناقصة، أكملوا الرواية.
لكن لا تقولوا لنا: “لا تتحدث.”
لأن إسكات السؤال لا يجعل الحقيقة تختفي.
عندما نعجز عن هزيمة الفكرة
يبدأ البعض بمحاولة هزيمة صاحبها.
وهنا تظهر عبارات من نوع: “نعرف من يقف خلفه.”
“نعرف تاريخه.”
“نعرف علاقاته.”
“نعرف لماذا يتحدث الآن.”
وربما يكون لبعض هذه الأسئلة مشروعيتها في بعض الحالات، لكن المشكلة تبدأ عندما تُستخدم هذه العبارات بديلاً عن الإجابة على الموضوع نفسه.
فالقول بأن شخصاً ما لديه خصومة مع طرف معين لا يثبت أن المعلومة التي كشفها خاطئة.
والقول بأنه ينتمي إلى تيار سياسي معين لا يعني أن كل ما يقوله باطل.
والقول إنه أخطأ في الماضي لا يعني أن كل ما يقوله اليوم خطأ.
ناقشوا الكلام، لا صاحب الكلام.
لسنا بحاجة إلى مزيد من التخوين
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تقول:
أختلف معك، لكنني أحترم حقك في الاختلاف.
أنتقدك، لكنني لا أشتمك.
أرفض كلامك، لكنني أقدم حجتي.
أختلف مع موقفك السياسي، لكنني لا أشكك في إنسانيتك أو وطنيتك بلا دليل.
وإذا كنت مخطئاً، صححني.
وإذا كنت أنت المخطئ، سأقبل منك الدليل.
هذه هي القاعدة التي يمكن أن تنقذ مجتمعاتنا من التحول إلى ساحات للاتهام المتبادل.
الحقيقة لا تحتاج إلى اغتيال أحد
في النهاية، لا توجد حاجة إلى اغتيال شخصية الإنسان إذا كانت الحجة قوية.
ولا توجد حاجة إلى تخوينه إذا كان الدليل معك.
ولا توجد حاجة إلى تشويه سمعته إذا كانت الحقيقة في صفك.
واجهوا الحقيقة بالحقيقة.
فالذي يملك الدليل لا يحتاج إلى الشتيمة، والذي يملك الحجة لا يحتاج إلى التخوين، والذي يملك الحقيقة لا يحتاج إلى قتل صاحبها معنوياً.
وقد نختلف اليوم حول شخص أو موقف أو قضية، لكن يبقى السؤال الأهم:
هل نريد مجتمعاً يخاف فيه الناس من الكلام، أم مجتمعاً يستطيع فيه الإنسان أن يقول: “أنا أختلف معك”، دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة؟
إننا لا نحتاج إلى أن نتفق في كل شيء.
نحتاج فقط إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
لأن الوطن الذي يتسع للرأي الواحد فقط، يضيق بأبنائه.
أما الوطن الذي يتسع للاختلاف، فهو الوطن الذي يستطيع أن يتعلم من أخطائه، ويصحح مساره، ويبحث عن الحقيقة دون خوف.
لا تقتلوا الشخصية… ناقشوا الفكرة.
لا تخوّنوا السؤال… أجيبوا عنه.
ولا تجعلوا الاختلاف عداءً، فربما كان اختلافنا هو الطريق الوحيد إلى الحقيقة




