
سمية النور دهب
لم يعد السؤال في السودان اليوم: من يربح الحرب؟ بل كيف خسر الجيش معناه. فالمؤسسة التي وُجدت لحماية الدولة تحولت، عبر مسار طويل ومعقد، إلى ساحة صراع بين الولاء الوطني والانتماء الأيديولوجي. هذه المفارقة هي مفتاح فهم ما يجري الآن، وهي أيضاً العقدة التي تعيق أي أفق للحل.
المشكلة لا تبدأ من لحظة الحرب، بل من تاريخ ممتد أعاد تشكيل الجيش من الداخل، بحيث لم يعد قائماً على المهنية وحدها، بل على شبكات من الانتماء والتصفية والإحلال. هذا النوع من البناء لا ينتج مؤسسة حيادية، بل كياناً مشدوداً إلى مشروع سياسي، حتى وإن ارتدى زي الدولة.
ومع كل محاولة للانتقال أو الإصلاح، كانت هذه البنية تعيد إنتاج نفسها. تتبدل الوجوه، لكن تبقى القواعد كما هي. لذلك لم يكن غريباً أن تنفجر التناقضات عند أول اختبار حقيقي، وأن تتحول المؤسسة العسكرية من عامل استقرار إلى طرف في الصراع.
مراقبون يشيرون إلى أن الحرب الحالية لم تُخرج هذه الأزمة إلى السطح فحسب، بل عمّقتها. فبدلاً من أن تدفع نحو مراجعة شاملة، أصبحت مبرراً لإعادة تثبيت النفوذ القديم، عبر خطاب تعبوي يُعيد تعريف الصراع باعتباره معركة وجود. وفي مثل هذه الأجواء، يصبح السلام تهديداً، لا هدفاً.
الأخطر أن هذا التحول لم يبقَ محصوراً داخل الجيش، بل امتد إلى الاقتصاد والسياسة، ما خلق شبكة مصالح معقدة تجعل من أي إصلاح حقيقي خطوة مكلفة. حين تصبح المؤسسة لاعباً اقتصادياً وأمنياً في آن، فإنها لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها.
هذا الواقع انعكس بدوره على العلاقة مع المجتمع. فالفجوة بين الجيش والقوى المدنية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة. وكلما ترسخت صورة الجيش كطرف منحاز، تضاءلت قدرته على تمثيل الدولة أو الدفاع عنها.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر دون إعادة طرح السؤال الجوهري: ما هو الجيش؟ هل هو مؤسسة وطنية لكل السودانيين، أم أداة في يد مشروع محدد؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان السودان يسير نحو الخروج من أزمته، أم نحو إعادة إنتاجها بصيغ جديدة.




