رأي

لا حياد في توصيف الأزمة… المسؤولية لا تُقاس بالتساوي في حرب السودان

تحليل التنوير السياسي

 

تحليل التنوير السياسي

في تناول الأزمات الوطنية، تبدو الدعوة إلى الحياد في ظاهرها طرحاً عقلانياً، غير أن هذا الحياد يفقد معناه حين يتحول إلى مساواةٍ غير دقيقة بين أطرافٍ لا تتكافأ في الأدوار والمسؤوليات. فليس كل صراعٍ أهلي يُختزل في معادلة طرفين متقابلين، بل كثيراً ما تكون جذور الأزمة أعمق، وترتبط بطرفٍ بعينه دفع بالأوضاع إلى حافة الانفجار.

إن الحديث عن “العدمية الوطنية” وخطر الاستقطاب، رغم وجاهته من حيث التشخيص العام، يظل ناقصاً إذا لم يُستصحب معه تحديد واضح لمصدر الأزمة ومسار تطورها. فالمشكلة في السودان لم تنشأ من فراغ، ولم تكن نتيجة خلافٍ عابر بين قوى متساوية، بل هي امتداد لمسار طويل من الهيمنة السياسية والتنظيمية التي كرّست الإقصاء وأضعفت بنية الدولة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية، ممثلة في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، في تشكيل ملامح الأزمة الراهنة. فهذه الجماعة، التي حكمت البلاد لعقود، أسست لنمطٍ من الحكم قائم على التمكين الحزبي وتسييس مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية، وهو ما أضعف مهنيتها وجرّها إلى صراعات سياسية مباشرة.

وعندما واجه هذا المشروع تحدياً شعبياً واسعاً، لم يتجه إلى مراجعة ذاته أو الانخراط في عملية تحول ديمقراطي حقيقية، بل سعى إلى إعادة إنتاج نفوذه عبر أدوات متعددة، الأمر الذي ساهم في تعقيد المشهد ودفعه نحو المواجهة. وعليه، فإن توصيف الحرب الحالية بوصفها نتيجة “استقطاب متبادل” دون الإشارة إلى هذا السياق، يفضي إلى قراءة مبتورة لا تعكس حقيقة ما جرى.

إن المسؤولية في مثل هذه الأزمات لا تُوزّع بالتساوي، بل تُحدّد وفقاً للأدوار الفعلية في صناعة الحدث. فهناك فرقٌ جوهري بين طرفٍ سعى إلى الحفاظ على مكتسبات التغيير، وآخر عمل على تقويضها أو الالتفاف عليها. وتجاهل هذا الفرق يفتح الباب أمام إعادة تدوير الأزمة تحت مسميات جديدة.

كما أن الخطاب الذي يدعو إلى “لا غالب ولا مغلوب” دون معالجة جذور الصراع، قد يبدو توفيقياً، لكنه في جوهره قد يُفضي إلى تسويات هشة تعيد إنتاج ذات الأسباب التي قادت إلى الأزمة. فالسلام المستدام لا يقوم على تجاهل المسؤوليات، بل على الاعتراف بها ومعالجتها بوضوح.

إن الطريق إلى الخروج من الأزمة لا يمر عبر مساواة شكلية بين الأطراف، بل عبر قراءة دقيقة للتاريخ القريب، تُميّز بين من أسهم في إشعال الصراع ومن وجد نفسه في مواجهته. فقط عند هذه النقطة يمكن بناء عملية سياسية حقيقية تستند إلى العدالة، وتؤسس لاستقرار دائم، بدلاً من حلول مؤقتة سرعان ما تتآكل تحت ضغط التناقضات غير المعالجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!