رأي

الخيل تتباكى والسرج واحد؛ لماذا تصنع نخبة المركز “فوبيا الهامش وفزاعة الجنجويد” لتخويف إنسان الوسط والشمال

مهدي عبدالله حامد 

 

مهدي عبدالله حامد 

◆جغرافيا التساوي: الفدرالية كـ طوق نجاة وضمانة لحقوق المواطنة المتساوية.

● لتفكيك “بنية الآحادية المركزية”: العلمانية كـ محايد ضروري لإدارة التنوع السُّوداني.

◆ النخبة تقبل إنسان الهامش كـ “عامل نظافة وجندي أو مكوجي ومزارع وراعي” ولكنها تصاب بالذعر وترتعد عند اقترابه من “رئاسة السُّودان”

اليوم يبدو الوطن كـ خيلٍ منهكةٍ ومتعبةٍ تتدافع وتتسابق في مسارات شتى وتدور حول حلقةٍ مفرغة، إذ أتقنت النخبة المركزية، فن “صناعة الخوف وإدارة التوحش من أجل “تدوير الأزمات بعناية فائقة بغرض ضمان الانقسام المجتمعي، لانها تدرك يقينًا بأن بقاءها في السُّلطة مرهون بتجزئة الوجدان الوطني وبعثرت التجانس وتشتيت ممسكات التلاقي ، ولذا فلقد تعمدت عن قصد استخدام “فوبيا الهامش سابقا” “و صناعة فزاعة الجنجويد الآن” كـ خديعة ماكرة وحيلة لئيمة تستخدم في تخويف أهلنا في الشمال والوسط عن خطورة “البعبع” المصطنع القادم من الأطراف، وذلك لأجل تسويق مزاعم الحفاظ على الكيان والوجود ، ولكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن “الخيل تتباكى والسرج واحد” حيثُ المعاناة واحدة، والمستفيد من هذا التفريق الوجداني والتمزيق المجتمعي هو “النخبة المتوارثة للحكم” التي تغير جلدها حسب المرحلة لتبكي مع الضحية وحسب الضرورة لتأكل مع الذئاب.

وفي الوعي السياسي السوداني المتوارث، ظل المثل الشعبي “الخيل تتباكى والسرج واحد” يلخص مأساة صراع الإخوة الأعداء؛ حيث الضحايا يتعددون والألم يفيض، بينما “السرج” (أي سلطة المركز) يظل ثابتًا لا يتغير، يتبدل الراكبون وتبقى العقلية الإقصائية هي المحرك، واليوم يواجه السودان لحظة الحقيقة العارية، حيث تُستخدم “فوبيا الهامش” و”فزاعة الجنجويد” كأدوات استراتيجية لترهيب إنسان الوسط والشمال، ليس حمايةً له، بل حمايةً لكرسي النخبة التي ترى في التغيير زلزالاً يهدد عروشًا بُنيت على احتكار الموارد والقرار.

لقد شبع الشعب السوداني من شعارات “القومية” التي تُطبخ في مكاتب الخرطوم لتُنفذ قتلاً وموتًا في دارفور وجبال النوبة وإقليم الفونج الجديد وشرق السودان، إن “الاستهبال السياسي” الذي يمارس الكذب المنظم على إنسان الشمال والوسط، لإيهامه بأن القادم من الهامش هو “عدو وحشي” هو ذاته الذي يسرق لقمة عيش هذا المواطن في الخرطوم وعطبرة ومدني، وكما قال الحكماء: “البيت الذي تختلف فيه القلوب، ينهدم على رؤوس الجميع”، إن توحيد النضال السوداني اليوم ليس خيارًا ترفيًا، بل هو ضرورة بيولوجية للبقاء، إن إنسان الوسط يجب أن يدرك أن حريته وكرامته مرتبطان بكرامة إنسان “وادي باري” و”جبال النوبة”، وأن الفزاعة التي يخيفونه بها هي ذاتها السوط الذي يجلد ظهره اقتصاديًا وسياسيًا، وحلمنا ليس مجرد تقاسم سلطة وثروة فقط، بل هو “انصهار وجداني” يعيد رسم خريطة الروح السودانية، نحن نطمح ليوم يصب فيه “نهر النيل في سهول كردفان” وتتعانق جبال التاكا وتوتيل والبحر الأحمر مع جبال النوبة وجبل مرة وجبال الميدوب في سيمفونية واحدة، ونحلم أن يسقي خور ابوحبل صحراء الدبة لتتحول سهول “البطانة” و “البقارة والأبالة” إلى بساط أخضر يجمع المحبة قبل المصلحة.

إن المشهد الاستراتيجي القادم يجب أن يقوم على “المصاهرة السياسية لا “الفزاعات والحروب” إن زمن استغفال الشعوب قد ولى، وإن الخيل التي تتباكى اليوم يجب أن تدرك أن “السرج” القديم قد تمزق، وأن السودان الجديد لن يقبل بأقل من التساوي الكامل، “اعتماد العلمانية كـ محايد ضروري لإدارة التنوع السُّوداني” حيث إن القوة الحقيقية للسودان تكمن في تنوعه، والعدل هو الحارس الوحيد لهذا التنوع، في ظل جغرافيا التساوي بالفدرالية كـ طوق نجاة وضمانة لوحدة حقوق المواطنة المتساوية.

وكما أن جوهر الصراع القائم اليوم على السلطة ليس صراعًا عرقيًا ولا جهويًا، بل هو صراع بين “الأحادية الإقصائية” مع دعاة التغيير الجذري، ولقد آن الأوان ليدرك السودانيون جميعاً أن عدوهم ليس “الآخر” في الجغرافيا، بل هو “السيستم” الإقصائي الذي يتغذى على تفتيتهم، وإن تحرير كامل تراب الوطن يبدأ من تحرير العقول من “خديعة المركز” وكما أن نضالنا اليوم هو من أجل سودانٍ لا يُسأل فيه المرء عن قبيلته قبل كفاءته، دعونا نكف عن أن نكون “رهائن للمخاوف” ولنكن صناعًا للأمل.

 

ووصول ابن البادية الجنجويدي أو ابن الهامش من الزرقة إلي السلطة ليس إحتلالا بل هو ممارسة طبيعية واستحقاق أصيل لحقوق المواطنة ولا مبرر البتة لتباكي وذعر وإرتعاد نخبة المركز من هذه الحقوق المكفولة قانونًا ودستورا، حيث أن السودان ليس ماركة حصرية مسجلة بإسم النخبة لوحدها، ويجب أن ينتهي وإلى الأبد ذلك العهد الذي لا تقبل فيه عقلية المركز إنسان الهامش إلا في أدوار ثانوية؛ كجندي يحرس أمنهم، أو عامل نظافة يغسل أدرانهم، أو مزارع يحرث أرضًا لا يملك قرارها أو راعي وغسال ومكوجي، لقد حان الوقت ليكون فيه الجنجويدي وابن الزرقة وجبال النوبة وإقليم الفونج الجديد رئيسًا للسودان، ليمارس حقه الطبيعي والموضوعي في بناء ونهضة وتأسيس وطنه لتحقيق الأمن والسلام والرفاه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!