رأي

قراءة في خطاب رئيس المجلس الرئاسي؛ الحقيقة والمصالحة والتحقيق الدولي

د.فاطمة الزين الغالي

 

د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا 

في تسجيلٍ صوتي بث مساء الثلاثاء، خرج محمد حمدان دقلو (حميدتي)، رئيس المجلس الرئاسي وقائد قوات الدعم السريع، بخطابٍ جديد اتّسم بحدةٍ لافتة وامتلأ بالرسائل المباشرة والمبطّنة في آنٍ معًا. خطابٌ بدا للوهلة الأولى تصعيديًا، لكنه في عمقه محاولة لإعادة التموضع السياسي، وتقديم نفسه كقائدٍ يسعى للعدالة والمحاسبة، لا كطرفٍ في حربٍ مفتوحة بلا نهاية.

وجّه حميدتي تحذيرًا مبطنًا إلى دولةٍ مجاورة – لم يسمها – اتهمها باستخدام مطارها لإطلاق طائراتٍ مقاتلة ومسيراتٍ تستهدف المدنيين داخل السودان، ملوّحًا بأنها “ستكون هدفًا” إذا استمر هذا العدوان. كان ذلك أخطر ما في خطابه، إذ حمل تهديدًا صريحًا يفتح الباب أمام توتّرٍ إقليمي محتمل، لكنه في الوقت ذاته رسالة بأن الحرب لم تعد شأنًا داخليًا محضًا.

ورغم حدّة لهجته، فقد حاول حميدتي إظهار نفسه كقائدٍ منضبطٍ أخلاقيًا، إذ أكد أن قواته لا تستهدف المدنيين، وأنها ترد فقط على من وصفهم بـ“المرتزقة والإسلاميين والدواعش”. ووصف الهجمات على الإدارات الأهلية بأنها “إبادة جماعية”، مشددًا على أن الرد سيكون بالمثل، لكن دون المساس بالمواطنين. في هذا التفريق بين “الخصم” و“الشعب”، يسعى حميدتي لإقناع الداخل والخارج بأن معركته ليست ضد المجتمع، بل ضد منظومة سياسية وعسكرية يعتبرها “السرطان” الذي أصاب جسد الدولة السودانية.

اللافت أن خطابه تجاهل تمامًا الإشارة إلى “الرباعية” أو “خارطة الطريق” التي ترعاها القوى الإقليمية والدولية، في ما يبدو رفضًا غير معلنٍ للضغوط الخارجية التي تحاول فرض تسويةٍ لا يراها عادلة. في المقابل، خصّ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بسخريةٍ لاذعة، متهمًا إياه بازدواجية المواقف، إذ يتظاهر بمحاربة الإسلاميين في العلن، بينما يلتقي رموزهم سرًا – مثل علي كرتي وأحمد هارون وأسامة عبد الله. بتلك السخرية أراد حميدتي أن يقدّم نفسه كصاحب مشروعٍ “ثوروي” مقابل قيادةٍ عسكرية يصفها بالمتصالحة مع النظام القديم.

وتضمّن الخطاب كذلك نغمةً جديدة تميل إلى البعد المدني، حين دعا “حكومة تأسيس” لأن تضع المواطن في صدارة الاهتمام، وتعمل على توفير الأمن والمعاش والتعليم والصحة، معتبرًا أن أساس الشرعية هو خدمة الشعب لا الهيمنة عليه. كما دعا المنظمات الدولية إلى تقديم المساعدات للمناطق التي تسيطر عليها “تأسيس”، مؤكدًا أن مدينة الفاشر مفتوحة أمام المنظمات والمواطنين للوصول الآمن.

لكن النقطة الأكثر إثارة في حديثه كانت دعوته الصريحة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للنظر في كل المجازر والانتهاكات التي وقعت قبل وبعد الخامس عشر من أبريل، بما في ذلك جرائم التطهير العرقي وقتل المدنيين. وتمثل هذه الدعوة خطوة جادّة نحو العدالة والمصالحة من خلال إشراك المجتمع الدولى في الملف السوداني وكشف الحقائق وضمان عدم الإفلات من العقاب.

كذلك، فإن خطاب حميدتي هذه المرة يتجاوز حدود التعبئة العسكرية إلى ما هو أبعد: محاولة لإعادة تعريف الذات السياسية. باعتباره قائد يخوض حربًا ضد “الظلم والفساد”، ويدعو في الوقت ذاته إلى الحقيقة والمصالحة، جامعًا بين لغة القوة ولغة العدالة. وبين التحذير من التدخلات الخارجية والدعوة للتعاون الدولي، وبين السخرية من الخصوم والحديث عن المصالحة الوطنية، يرسم حميدتي ملامح مرحلةٍ جديدة في الحرب السياسية والإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!