رأي

*السودان: نبضان في جوف واحد… هل تقتسمه أم تهدئه؟

 

عبدالله محمد ادم
كمبالا
:::

تتردد عبارة “رجل أفريقيا المريض” كوصف قاسٍ للسودان، وهو بلد شاسع مزقته التناقضات منذ فجر استقلاله. والمقولة القرآنية “وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ” استحضرها هنا كاستعارة عميقة لعلّة السودان المزمنة،هي وجود قلبين متنازعين في جوف كيانه الواحد ،قلب يمثل المركز (الخرطوم) الحارس لتركة سلطة استعمارية مركزية شمولية، وقلب ينبض في الأطراف والهامش، متعطشاً للعدالة والمشاركة والموارد، ومتمرداً على الإقصاء والتهميش.
و لطالما تجلّى هذا الصراع بين القلبين في دوامات عنف متكررة، بدأت قبل الاستقلال واستمرت بعده، متخذة أشكالاً دامية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، لتصل ذروتها المأساوية بانفصال الجنوب عام 2011، حاملاً معه ملايين الضحايا والمشردين، لقد كان الانفصال صرخة مدوية، فشل القلب الأول (المركز) في سماعها أو التعامل معها بحكمة، فزادت الطين بلة بتعميق أزمات بقية القلوب المهمّشة،جنوبا، شرقا، غربا و شمالا، واليوم، وفي خضم حرب أهلية طاحنة تشتعل منذ أبريل 2023 بين قوات الجيش
بقيادة البرهان و قوات الدعم السريع، يشهد السودان فصلًا جديدًا من فصول صراع القلبين، وهو إعلان حكومة تحالف تاسيس في مدينة نيالا بدارفور، كرد فعل مباشر على تشكيل حكومة تحالف القوات المسلحة في بورتسودان بقيادة البرهان وحلفائه التقليديين من بقايا الحركة الإسلامية و بعض حركات دارفور، و ذلك ليس مجرد تطور سياسي عابر، لكنه إعلان صريح، عملي ورمزي، عن رفض الهامش المستمر لسيطرة المركز ومنطقه الأحادي
فهل يُعدّ هذا الإعلان شهادة وفاة لـرجل أفريقيا المريض؟
قد يكون الجواب معقد، لكن نعم، إنه يشير بوضوح إلى موت فكرة السودان المركزي الموحد القائم على هيمنة الخرطوم التي أثبتت فشلها الذريع طوال عقود. فالكيان القديم، الذي وُلد مشوهاً بقلبين متنافرين – أحدهما مستمد من بنية المستعمر الإقصائية والآخر ينبض بتطلعات شعوب مهمشة – يبدو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الحرب وتمزق المؤسسات ، و إعلان نيالا هو تجسيد ملموس لهذا الانهيار.
لكن هل يعني هذا بالضرورة موت السودان ككيان جغرافي وسياسي نهائيًا؟ ليس حتميًا، لان ما يحدث قد يكون عملية ولادة عسيرة ومؤلمة لكيان جديد ،لا يعلم الكثيرون ما شكله، لكن يبقي إعلان حكومة “تاسيس” في نيالا هو علامة فارقة تؤكد وفاة نموذج الدولة المركزية السودانية التي حكمت منذ الاستقلال و تجسيد لانفجار القلب الثاني (الهامش) بعد عقود من القمع والإهمال، فهل هو نهاية السودان؟ قد يكون كذلك إذا ساد منطق الحرب والانقسام ، لكنه قد يكون أيضاً، وبشكل مفارق، آخر فرصة لولادة سودان جديد، سودان لا يحاول قتل أحد “قلبيه” أو إخضاعه، بل يعترف بتنوعه ويبني نظاماً سياسياً يرعى هذا التنوع في إطار اتحادي أو كونفدرالي عادل و الطريق طويل وشاق ومليء بالأشواك، لكنه قد يكون الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد “رجل أفريقيا” الجريح، و وقف نزيف عقود من العنف الذي لم يُنجب سوى المزيد من الدمار.لكن مستقبل السودان معلّق على إجابة سؤال واحد ،هو هل ستتعلم النخب الحاكمة، في المركز والهامش، أخيراً درس التعايش، أم ستستمر في العزف على نغمة الموت حتى النهاية؟
هداهم الله لما فيه الخير
عبد الله محمد ادم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!