
لا تنهى عن شيء و تأتي بمثله
“لا يمكن أن تبني دولة جديدة، بعقول قديمة، وأخلاق مشروخة”
هذه العبارة لم تكن يوماً مجرد شعارٍ مثالي، بل تلخّص جوهر المعضلة السودانية التي امتدت منذ الاستقلال وحتى اليوم: عجز النخب عن التأسيس الأخلاقي للدولة، قبل التأسيس السياسي والمؤسسي. وها نحن الآن، على أعتاب تحول جديد، و تأسيس جديد، بعد أن انهار نظام “التمكين الإسلامي”، ودخلت الدولة في طور التفتت والانبعاث، نواجه السؤال الأخطر:
هل نحن نؤسس فقط لدولة جديدة؟ أم لوعي جديد؟
الخراب الأخلاقي: الجذر الأعمق لأزمات السودان
منذ 1956، تتابعت الحكومات وتنوعت الشعارات، من “الحرية” إلى “الإسلام”، ومن “الوحدة الوطنية” و القومية إلى “التحول المدني”، لكن الثابت الوحيد كان غياب المشروع الأخلاقي. لم يكن غياب القوانين هو الكارثة، بل غياب الضمير العام. فكل انقلاب رفع شعار الإصلاح، ثم انحدر سريعاً إلى مستنقع الفساد، والتسلط، والجهوية.
حتى في لحظات الأمل الكبرى — مثل اتفاقية نيفاشا أو ثورة ديسمبر – لم تُبذل الجهود الكافية لتحصين النخب من مرض “التمكين”، و”الاستحواذ”، و”الانتهازية”، وهو ما أدى إلى إعادة تدوير الخراب القديم في ثوب جديد. و ذلك ما قادنا نحو مستنقع الحرب بسرعة الصاروخ.
تحديات بناء السودان الجديد: ليست سياسية فقط
بناء السودان الجديد ليس مجرد إعادة صياغة دستور، أو تكوين مجلس سيادة مدني، أو إقامة انتخابات. بل هو إعادة تشكيل إنسان الدولة. والتحدي الحقيقي يكمن في:
1. إعادة تعريف مفهوم “الخدمة العامة” من غنيمة للولاء، إلى مسؤولية أخلاقية.
2. فك ارتباط السياسة بالتكالب على الموارد.
3. تحييد الدولة عن الأيديولوجيات المتطرفة، وبناء عقد اجتماعي يقوم على احترام الإنسان لا على استغلاله.
النخب الجديدة: هل تدرك خطورة الطريق؟
حتى اللحظة، تبدو نخب التأسيس الجديدة في مرحلة تأرجح بين وعيين:
وعي ثوري رافض للقديم، لكنه لم يتطور بعد إلى مشروع أخلاقي وطني متكامل.
وعي موروث من ثقافة السلطة السودانية، يشتهي المناصب لكنه يفتقر للبديل الأخلاقي والمفاهيمي.
ورغم وضوح أهداف الثورة، إلا أن ممارسات بعض النخب ما زالت تعكس أزمة بنيوية في فهم السلطة، وأهمية الأخلاق في ممارستها. فبعضهم، ما إن دخل إلى دهاليز تأسيس الدولة، حتى بدأ يكرر ذات سلوك “المؤتمر الوطني” الذي ثار عليه.
التحصين الأخلاقي: ليس رفاهية بل شرط بقاء
الدول لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل بالأخلاق التي تضبط سلوك القائمين عليها. ولهذا، فإن إعادة هندسة النخبة السياسية والمدنية في السودان الجديد يجب أن تبدأ من “مبدأ الأخلاق السياسية”، من خلال:
1. برامج تأهيل سياسي وأخلاقي للنخب
دورات تأسيس فكرية، لا تركز فقط على القوانين والدساتير، بل على الفهم العميق للقيم: النزاهة، العدالة، الشفافية، الإيثار.
التدريب على مهارات “المقاومة الأخلاقية” ضد إغراءات السلطة، وتثقيفهم بتاريخ الخراب السياسي في السودان كنموذج تحذيري.
2. إنشاء مراكز قومية للحوكمة الأخلاقية
تهدف لمراقبة الأداء العام أخلاقياً، وتقديم تقارير دورية عن انحرافات السلطة.
تتعاون مع القضاء والإعلام والمجتمع المدني لبناء ثقافة مساءلة قوية.
3. إدخال “التربية الأخلاقية الوطنية” في مناهج التعليم
تبدأ من المدارس، وتستمر حتى برامج تأهيل القادة التنفيذيين.
تعيد تعريف “الوطنية” بوصفها سلوكاً يومياً لا مجرد نشيد صباحي.
4. ترسيخ القدوة لا الشعارات
اختيار قيادات تنفيذية تمتاز بالنزاهة والاستقامة، لتكون نموذجاً يحتذى لا صورة تُرفع.
تقديم نموذج قائد لا يسرق، لا يُراوغ، لا يُقمع، يفتح أبواب الدولة أمام الناس، لا أمام عائلته فقط.
في مواجهة لعنة “سودان ما بعد الاستقلال”
السودان لا يحتاج فقط إلى عقول تعرف كيف تحكم، بل إلى نفوس تعفّ حين تحكم.
كل أنظمة ما بعد الاستقلال – مدنية كانت أو عسكرية – فشلت في تأسيس دولة العدالة لأنها فشلت أولاً في تأسيس الضمير.
وإن لم تُحصن نخب السودان الجديد بأخلاقيات عميقة، ووعي تاريخي بمصير كل من سبقه، فسنعود مرة أخرى إلى النقطة صفر، وسنصحو بعد عقد أو عقدين لنجد أنفسنا نكتب مقالاً بعنوان:
“لماذا فشل السودان الجديد؟”
الخلاصة:
إن أعظم خطر على السودان الجديد ليس العسكر فقط، ولا المليشيات، بل النخب التي تُلد من رحم الثورة، ثم تُصاب بعد أشهر بـ”داء الحكم”.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية الآن، ليست فقط في كسب المعارك الميدانية العسكرية والسياسية، بل في كسب المعركة الأخلاقية داخل صدور من سيحكمون السودان الجديد.
فمن هنا تبدأ الدولة، أو تنتهي.
لندن
16 يوليو 2025
لصحيفة تنوير




