
حسن النعمان
مع التقدير لما طرحه الأستاذ نجم الدين دريسة من تحليل عميق لأزمة العشائرية في السودان، أجد نفسي مختلفًا معه في جوهر الطرح، لا إنكارًا لوجود إشكاليات في البنية العشائرية، ولكن انطلاقًا من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع السوداني وظروفه الحالية.
فالعشائرية، في سياقنا السوداني، ليست مجرد بقايا ماضٍ ينبغي القطع معه، بل هي – في كثير من الأحيان – ضرورة اجتماعية وأمنية تفرضها طبيعة المرحلة. حين نتحدث عن دولة تعاني من ضعف مؤسسي حاد، وغياب شبه كامل للأجهزة الأمنية في بعض المناطق، لا يمكن ببساطة تجاوز البنى التقليدية التي تملأ هذا الفراغ.
في واقعٍ تصل فيه نسبة الأمية إلى مستويات مرتفعة، وتغيب فيه مؤسسات الشرطة والقانون عن مساحات واسعة، تصبح القيادات الأهلية – من عمد ومشايخ وسلاطين ومكوك وشرتاي – هي العمود الفقري لتنظيم المجتمع وضبطه. هؤلاء لا يمثلون مجرد رموز اجتماعية، بل يقومون بدور فعلي في حفظ الأمن، وفض النزاعات، وتحقيق قدر من الاستقرار الذي تعجز الدولة عن توفيره.
بل إن التجربة أثبتت، في مناطق مثل كردفان وأجزاء من غرب السودان، أن هذه البنى العشائرية لعبت دورًا مهمًا في حماية المجتمعات من الانفلات الأمني ومن خطر الجماعات المتطرفة. وهنا تتجلى وظيفتها الواقعية، لا النظرية.
كما أن الإشارة إلى العشائرية بوصفها نقيضًا مطلقًا للدولة الحديثة قد لا تكون دقيقة تمامًا. فحتى في أوروبا، ما تزال هناك عائلات كبرى وشبكات نفوذ اجتماعي، لكنها تعمل داخل إطار قانوني صارم يحد من تغولها. الفرق ليس في وجود الانتماء، بل في وجود القانون الذي ينظمه ويضبطه.
من هذا المنطلق، أرى أن الإشكالية ليست في العشائرية بذاتها، بل في غياب الدولة القادرة على استيعاب هذه البنى وإعادة توظيفها ضمن مشروع وطني جامع. فبدل الدعوة إلى قطيعة كاملة معها، قد يكون الأجدى هو دمجها تدريجيًا في مؤسسات الدولة، والاستفادة من تأثيرها الاجتماعي في دعم الاستقرار، إلى حين اكتمال بناء دولة القانون.
إن بناء الدولة لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتعامل معه بمرونة ووعي. والعشائرية، رغم ما فيها من سلبيات، تظل جزءًا من هذا الواقع الذي لا يمكن تجاهله أو إلغاؤه بقرار نظري.
في النهاية، تبقى القضية الأساسية هي كيفية الانتقال من مجتمع تحكمه الضرورات، إلى دولة تحكمها المؤسسات، دون أن نُحدث فراغًا قد يكون أكثر خطورة من العشائرية نفسها.



