
خضر كوة
تقع قرية السنوط في جبال النوبة الغربية الشمالية، وهي منطقة يعرف أهلها بعضهم بعضًا، وتُحفظ فيها تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك المناسبات الاجتماعية الخاصة كالمآتم. لذلك، فإن استهداف مأتم في هذه القرية لا يمكن أن يكون عملاً عشوائيًا أو نتيجة خطأ، بل يشير بوضوح إلى وجود معلومات دقيقة وصلت إلى الجهة المنفذة.
ووفقًا للمصادر المحلية، فقد سقط في المجزرة عدد من المدنيين الأبرياء، بينهم نساء وأطفال، في مشهد يوجز حجم المأساة ويكشف بشاعة الاستهداف وانعدام أي اعتبار لحرمة الحياة أو القيم الإنسانية. وتشير التقديرات الأولية إلى أن إجمالي الضحايا في سلسلة الهجمات الأخيرة — من السنوط إلى الضعين، مرورًا بمناطق مثل جلد وكومي — تجاوز مئة قتيل وعددًا كبيرًا من الجرحى، في ظل غياب إحصاءات دقيقة بسبب صعوبة الوصول وانعدام التوثيق المستقل.
إن هذا الواقع المؤلم يثير تساؤلات أخلاقية حادة: من الذي نقل تلك المعلومات؟ وكيف تُستخدم المعرفة المحلية، التي يُفترض أن تكون وسيلة لحماية المجتمع، في استهدافه وقتل أبنائه؟
كما يطرح سؤالًا وطنيًا مشروعًا:
لماذا تنعم بعض المناطق بالأمن والاستقرار، بينما تُستباح مناطق أخرى ويُترك أهلها لمصيرهم؟ وهل هناك تمييز في الحماية، أو انتقائية في تطبيق القانون، أم أن هناك من يدفع ثمن صراعات لا يد له فيها؟
نحن ندين بأشد العبارات هذه الجرائم النكراء، ونحمل المسؤولية الكاملة لكل جهة شاركت — بالفعل، أو بالمعلومة، أو بالصمت والتواطؤ — أمام الضمير الإنساني والقانون الدولي. كما ندين الانتهاكات التي طالت الأطفال والمرضى في مستشفى الضعين، والتي تؤكد نمطًا متكررًا من استهداف المدنيين العزّل في مناطق عدة.
ونؤكد أن الدعوات إلى الانتقام وردّ العنف بالعنف (“السن بالسن”) لن تُسهم إلا في تكريس دوامة الدم، وتعميق الجراح، ودفع البلاد نحو مزيد من الانهيار. إن طريق العدالة الحقيقي يمر عبر المحاسبة القانونية وكشف الحقيقة وبناء دولة تحمي جميع مواطنيها دون تمييز.
كما نرسل نداءً واضحًا وصريحًا لكل من يعمل في الأجهزة الأمنية أو العسكرية:
إن نقل معلومات تؤدي إلى استهداف المدنيين، وخاصة في لحظات ضعفهم كالمآتم، هو فعل مشين لا يمكن تبريره، ويضع صاحبه في موضع المساءلة الأخلاقية والقانونية.
ونُجدد الدعوة إلى تحقيق دولي مستقل وشفاف يكشف الحقائق كاملة: من وفّر المعلومات؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن نفّذ هذه الجرائم؟ فالمساءلة لا تقتصر على المنفذين فحسب، بل تشمل المنظومة التي خططت وسهّلت وغطّت هذه الفظائع.
ونوجّه نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان:
إن شعوبًا بريئة تُقتل اليوم لا لذنب سوى أنها تعيش في مناطق مهمشة، وتُستغل دماؤها وقودًا لصراعات سلطة لا علاقة لها بحقوق المواطن ولا بمستقبله.
كما نخاطب الشعب السوداني بكل مكوناته:
إن الصمت على هذه الجرائم ليس حيادًا، بل تواطؤ يفتح الباب لمزيد من الانتهاكات ويفكك ما تبقى من نسيج الوطن. إن بقاء السودان موحدًا مرهون بقدرتنا على رفض الظلم، ومواجهة استهداف الأبرياء، أيًّا كانت الجهة التي تقف خلفه.
وفي الختام، ندعو شرفاء أبناء النوبة وكل قوى الهامش للتكاتف والدفاع عن مجتمعاتهم بالوسائل التي تحافظ على كرامة الإنسان وتمنع الانزلاق إلى دوامة الانتقام، مع التمسك بحقوقهم المشروعة في الحياة والأمن والعدالة.
الرحمة والمغفرة لشهداء السنوط والضعين وجلد وكومي وسائر مناطق الاستهداف، والعاجل من الشفاء للجرحى والمصابين.
العدالة حق لا يسقط بالتقادم.
لا لقتل الأبرياء.
لا للإفلات من العقاب.



