رأي

دارفور… حين تُستعاد الفتنة كسلاح

إيلاف وداعة

 

إيلاف وداعه

ما يجري اليوم في دارفور لا يمكن اختزاله في كونه صراعاً مسلحاً عابراً، بل هو انحدار خطير نحو إعادة إنتاج أدوات التفكك ذاتها التي أنهكت الإقليم لعقود. فالمشهد الراهن يكشف عن محاولة واعية لإحياء النزعات القبلية، لا بوصفها نتيجة طبيعية للأحداث، بل كأداة مُصمَّمة لإعادة تشكيل الصراع وإطالة أمده.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القبلية لم تكن يوماً مجرد حالة اجتماعية تلقائية، بل تحولت – في لحظات بعينها – إلى أداة توظيف سياسي، جرى عبرها تفكيك النسيج الاجتماعي، وإشغال المجتمعات بصراعات داخلية تستنزف طاقتها وتُبعدها عن قضاياها الأساسية. وما يثير القلق اليوم أن هذه الأداة تُستدعى مجدداً، بذات الأساليب وإن اختلفت السياقات.

إن أخطر ما يهدد دارفور في هذه المرحلة ليس فقط استمرار العنف، بل عودة الخطاب القبلي بوصفه محركاً للصراع، وهو خطاب أثبت تاريخياً قدرته على إشعال النزاعات وتحويلها إلى دورات متكررة من الاحتراب، تتجاوز أسبابها الظاهرة إلى أهداف أعمق تتعلق بالسيطرة وإعادة ترتيب موازين القوى.

وعند التمعن في مسارات الصراعات التي شهدتها دارفور وكردفان، يتضح أن كثيراً من تلك النزاعات لم تكن قائمة على أسباب موضوعية بقدر ما كانت نتيجة هندسة معقدة للصراع، حيث تتقاطع الأدوار بين من يشعل النزاع ومن يتصدر لاحقاً مشهد الوساطة، في مفارقة تكشف طبيعة الأزمة أكثر مما تخفيها.

كما أن مشهد اللجان والوساطات، الذي يُقدَّم في ظاهره كمسعى للحل، لا يخلو في بعض الأحيان من إعادة إنتاج لنفس الدوائر التي أسهمت في تعقيد الأزمة، سواء عبر النفوذ السياسي أو عبر امتدادات اجتماعية داخل البُنى التقليدية، مما يجعل الحلول المطروحة أقرب إلى إدارة الصراع منها إلى إنهائه.

لقد عاشت دارفور سنوات طويلة في دوامة من التفكك الاجتماعي، حيث جرى استنزاف المجتمعات المحلية في صراعات داخلية متكررة، الأمر الذي أضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها الأساسية، وخلق بيئة هشّة يسهل التحكم في مساراتها.

واليوم، ومع بروز مؤشرات على محاولات إعادة إنتاج هذا النموذج، يصبح الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول. فإدراك طبيعة هذه الأساليب كفيل بإفشالها، وقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة تدوير الأزمات تحت عناوين جديدة.

إن دارفور التي دفعت ثمناً باهظاً لنزاعات الماضي، لم تعد تحتمل إعادة إنتاج ذات السيناريو. والرهان الحقيقي الآن هو على وعي المجتمع وقدرته على تجاوز خطاب الانقسام، وبناء مسار جديد يقوم على التماسك، ورفض كل أشكال الاستغلال السياسي للهويات الاجتماعية.

فالتاريخ، وإن أعاد نفسه، لا يفعل ذلك إلا حين يُسمح له بذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!