رأي

وزير يبحث عن وظيفة… وسلطة تبحث عن دولة !!!!!

ابوعبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

في واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية في مشهد السودان الراهن، خرج وزير بسلطة بورتسودان ليعلن—بكل ثقةبحثه عن عمل إضافي بدوام جزئي. ليس مواطنًا بسيطًا أنهكته الأوضاع الاقتصادية، بل وزير يفترض أنه جزء من السلطة التي تديرأو تدّعي إدارةالدولة. وهنا تبدأ الحكاية التي تختصر، دون عناء، بلاوي سلطة بورتسودان.

أن يصل الأمر بوزير إلى عرض خدماته المهنية عبر منصة “لينكدإن”، محددًا دولًا بعينها ومستعدًا لتقديم الاستشارات، فذلك ليس مجرد “سوء فهم” كما حاول لاحقًا تلطيفه، بل هو تعبير صريح عن خلل عميق في بنية السلطة نفسها. سلطة لا تستطيع حتى أن تقنع وزراءها بالبقاء داخل مكاتبهم دون البحث عن مصادر دخل إضافية، فكيف لها أن تقنع شعبًا كاملًا بأنها قادرة على إدارة بلد بحجم السودان؟

المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا الوزير نفسه يتحدث عن جذب الاستثمارات وتطوير قطاع الإنتاج الحيواني، بينما يبدو منشغلًا بتسويق خبراته الشخصية خارج البلاد. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: “الفرص هنا محدودة… حتى بالنسبة لنا نحن الوزراء”.

هذه الواقعة ليست حادثة معزولة، بل هي عرض من أعراض حالة عامة تعيشها سلطة بورتسودان، حيث تختلط الأدوار، وتضيع المسؤوليات، ويصبح المنصب العام مجرد منصة مؤقتة لتحسين السيرة الذاتية أو فتح أبواب خارجية. إنها سلطة تدير الأزمات بدلًا من حلها، وتنتج المواقف الساخرة بدلًا من السياسات الرصينة.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن محاولات التبرير جاءت مرتبكة، كأن المشكلة في فهم الناس لا في مضمون التصريح نفسه. لكن الحقيقة أبسط من ذلك: حين يعلن الوزير حاجته إلى “دوام جزئي”، فإنه يعلن ضمنيًا عجز “الدوام الكامل” للسلطة عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار.

في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى كثير من التحليل ليدرك حجم المفارقة. فحين يصبح الوزير باحثًا عن عمل، تصبح الدولة نفسها باحثة عن معنى. وهذه، في جوهرها، هي خلاصة بلاوي سلطة بورتسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!