رأي

الظلم… حين يصبح الاعتياد عليه أخطر من ممارسته

حامد نحوله

 

 حامد نحوله

تتواتر في حياتنا رسائل ومواقف تحمل في طياتها شتى صنوف الظلم والاتهامات الباطلة، اتهامات تُطلق جزافًا بلا بينة ولا دليل، وكأن أعراض الناس وسمعتهم باتت ساحة مباحة لكل نزوة أو خصومة. والمثير للعجب أن يصدر هذا السلوك عن أناس يفترض أنهم يدركون فداحة الكلمة، وخطورة أن يُدان بريء بغير حق. فكيف يستسهل المرء أن يضع نفسه موضع القاضي والجلاد في آن واحد، دون وازع من ضمير أو خوف من حساب؟

إن كل من يستحضر معنى التقوى يدرك أن الظلم ليس مجرد خطأ عابر، بل هو ظلمات متراكبة، تبدأ في القلب قبل أن تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره. وهو داء أخلاقي إذا لم يُبادر بعلاجه تفاقم واستفحل حتى يصبح مرضًا خبيثًا يستعصي على الاجتثاث، لا قدّر الله. فالظلم يحجب الخير عن صاحبه، ويبعده عن طريق الهداية، ويُفسد الفطرة قبل أن يُفسد العلاقات.

وقد تكفّل الشرع بتبيان خطورة الظلم والتحذير منه بأشد العبارات، حتى جاء في الحديث القدسي قول الله تعالى: «يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا». فالظلم سبب مباشر لفساد الأمور، وغياب العدل، وانتشار الشرور في الأفراد والمجتمعات، وهو ما نشهده حين يصبح الظلم ممارسة مألوفة، ويغدو السكوت عليه موقفًا اعتياديًا، وكأن الناس ألفوا رؤيته حتى فقدوا الحساسية تجاهه.

وتتعدد صور الظلم في الواقع اليومي؛ فمنها ما يكون في المعاملات كالرشوة والغش والسرقة وشهادة الزور ومنع الحقوق، ومنها ما يتسلل إلى داخل الأسر عبر التفرقة بين الأبناء، أو سوء المعاملة، أو الإهمال في التربية، أو ظلم الأزواج بعضهم لبعض، أو عقوق الأبناء لآبائهم وأمهاتهم. وكلها أشكال مختلفة لجوهر واحد هو التعدي على الحق وإهدار الكرامة.

ولا يقف الظلم عند حدود الفعل، بل قد يتجسد في الكلمة الجارحة والاتهام المجاني، بل ويبلغ ذروته حين يُعان الظالم على ظلمه، وهو ذنب عظيم قرنه الشرع بالمشاركة في الإثم والعدوان. قال تعالى: «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»، وجاء في الحديث الشريف: «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ».

وقد وردت النصوص الكثيرة التي تؤكد أن دعوة المظلوم لا تُرد، وأنها تصعد إلى السماء بلا حجاب، وأن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. فالظلم كالسرطان، قد ينتشر في الجسد ببطء، ولا يُدرك خطره إلا حين يبلغ مرحلة لا يُرجى معها شفاء. لذلك، فإن الواجب على كل ذي عقل ودين أن يراجع نفسه، ويتقي دعوة المظلوم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!