
نجم الدين دريسة
أخطر الحروب تلك التي لا تُرى، لكنها تُعيد تشكيل ما نراه
يمرّ السودان بمرحلة فارقة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية إلى نمط أكثر تعقيدًا وخطورة: حرب تستهدف الوعي الجمعي وتعمل على إعادة تشكيل الإدراك العام. لم تعد المعركة محصورة في ساحات القتال، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار عمليات منظمة للتأثير على عقول الناس، وتوجيه الرأي العام، وخلق واقع بديل يُبقي جذوة الصراع مشتعلة.
في هذا السياق، برزت أنماط متقدمة من التضليل الرقمي، تقوم على استخدام حسابات وهمية تُدار باحترافية عالية، تحمل هويات مصطنعة لكنها تبدو مألوفة، وتتحرك ضمن شبكات منسقة لإنتاج رأي عام زائف. هذه الحسابات لا تدخل في نقاشات حقيقية، بل تعتمد على الإغراق والتكرار، فتُحوّل المنصات إلى مساحات ضجيج تُدفن فيها الأصوات الداعية للسلام، وتُستبدل الحقائق بسرديات مصممة بعناية.
ولا تقف هذه العمليات عند حدود النشر العشوائي، بل تتخذ طابعًا تنظيميًا دقيقًا، حيث تُدار عبر مجموعات مغلقة تُصدر توجيهات محددة لتنفيذ حملات إلكترونية تستهدف شخصيات عامة وناشطين، عبر التبليغ الجماعي أو التشويه المنهجي. كما تُستخدم قوالب جاهزة من الرسائل والمحتوى المسيء، تُعاد صياغتها وتداولها بسرعة، ما يخلق بيئة عدائية تُضعف النقاش الموضوعي وتُربك المتلقي.
ومن أبرز أدوات هذه الحرب الرقمية إعادة تدوير الشائعات وتقديمها في صيغ جديدة، بحيث تبدو وكأنها معلومات حديثة أو مؤكدة. هذا النمط من التضليل لا يسعى فقط إلى نشر معلومات خاطئة، بل إلى إرباك الوعي نفسه، بحيث يفقد الأفراد القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع. ومع تكرار الرسائل، تتحول الأكاذيب إلى ما يشبه “حقائق اجتماعية” يصعب تفكيكها.
ويبلغ التأثير ذروته حين تتحول الحملات الرقمية إلى أدوات لاستهداف الأفراد بشكل شخصي، حيث تُستخدم أساليب التشهير والإساءة المنظمة لتقويض مصداقية الأصوات المخالفة. في هذه البيئة، لا يُكتفى بإسكات الرأي المختلف، بل يُسعى إلى عزله اجتماعيًا وإضعاف تأثيره، وهو ما يخلق مناخًا من الخوف يدفع كثيرين إلى الصمت.
كما تتجه هذه الحملات إلى اختراق المساحات المدنية، بما في ذلك المجموعات التي تسعى لتعزيز السلم الاجتماعي، حيث يتم إدخال عناصر تعمل على بث الشكوك وإثارة الخلافات الداخلية. هذا التكتيك يهدف إلى تفكيك أي بيئة يمكن أن تُنتج خطابًا موحدًا داعمًا للاستقرار، وتحويلها إلى ساحة انقسام مستمر.
ومع التطور التقني، دخلت أدوات جديدة إلى هذا المشهد، أبرزها تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم لإنتاج محتوى مزيف يبدو واقعيًا، سواء في شكل صور أو مقاطع فيديو أو نصوص. هذه الأدوات تُضاعف من قدرة التضليل، خاصة في ظل محدودية الوعي التقني لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ما يجعل تمرير المعلومات المفبركة أكثر سهولة وتأثيرًا.
إلى جانب ذلك، يُستخدم الخطاب العاطفي المكثف، الذي يمزج بين الشعارات الوطنية والرمزية الدينية، لإحداث حالة من التعبئة النفسية، تُقلل من مساحة التفكير النقدي. كما تُوظف السخرية كوسيلة لتقليل شأن القضايا الجادة، وتحويل الدعوات للسلام إلى مادة للتندر، وهو ما يساهم في تفريغها من مضمونها.
وفي مستوى آخر، يجري تصنيع شخصيات رقمية تُقدَّم كرموز أو قادة، بينما هي في الواقع أدوات دعائية، تُستخدم لاستقطاب فئات عمرية صغيرة، خاصة من الشباب، ودفعهم نحو تبني مواقف متشددة أو منفعلة. هذه الظاهرة تعكس تحول الفضاء الرقمي إلى بيئة تجنيد غير مباشر، تُعيد إنتاج أنماط من التفكير تقوم على الاستقطاب والانفعال.
إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في حجم التضليل، بل في قدرته على إعادة تشكيل الوعي العام بصورة تدريجية، بحيث يصبح التزييف جزءًا من الواقع اليومي. ومع استمرار هذا النمط، يواجه المجتمع خطر فقدان البوصلة، حيث تختلط الحقائق بالتصورات، ويُعاد تعريف القضايا الكبرى وفقًا لما يُنتج رقميًا لا ما يحدث فعليًا.
وعليه، فإن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على إنهاء الصراع الميداني، بل يمتد إلى ضرورة استعادة الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، وبناء قدرة مجتمعية على التمييز بين المعلومة والتحريف. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول، حيث يُصاغ مستقبل البلاد.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الوعي ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية، لأن المجتمعات التي تُهزم في معركة الإدراك، يصعب عليها أن تنتصر في أي معركة أخرى.



