
عمار نجم الدين
ليست كل الحروب مصممة لكي تنتهي، وليست كل المعارك تُدار من أجل الوصول إلى انتصار حاسم. أحياناً يكون استمرار الحرب نفسه جزءاً من وظيفتها، ويصبح الزمن أهم من الأرض، والاستنزاف أهم من الاحتلال، وتصبح القدرة على إدارة قوة الآخرين أهم من القدرة على القتال بهم أو ضدهم. ومن هذه الزاوية أعتقد أن علينا أن نقرأ معركة كردفان التي لا تنتهي، لا باعتبارها مجرد سلسلة من العمليات العسكرية، وإنما باعتبارها معركة بنيوية طويلة قد تكون نتيجتها الأعمق إعادة تشكيل ميزان القوة بين المركز والهامش لعقود قادمة.
و التي ظلّت ندوبها تحكم ما عجز السيف عن حكمه ‘
إذا قرأنا ما يحدث في كردفان قراءة عسكرية فقط، فسوف نرى مدناً تسقط وأخرى تُستعاد، وطرقاً تُفتح ثم تُغلق، وقوات تتقدم ثم تنسحب، وبيانات انتصار تصدر من مختلف الأطراف. سنظل نراقب الخريطة ونسأل: من تقدم؟ من تراجع؟ من يسيطر على هذه المدينة؟ ومن قطع ذلك الطريق؟ لكن هذه ليست الأسئلة الأهم. ولكن السؤال الأجدر أن يُسأل: مَن تأكل هذه الحرب من عُمره كلما طال أمدها؟ ومَن يخرج من أتونها وفي صُلبه بقية من قوة ينهض بها من رماده ويملي بها شروطه؛ ومن يخرج منها وقد أكلت الحرب سنامه، واستفرغت قوته، وقصمت من ظهره ما لا تجبره السنون؟
حين ننظر إلى التركيبة البشرية للقوى المتقاتلة تظهر المفارقة السودانية القديمة في صورتها الأكثر قسوة عربي الهامش وأفريقي الهامش يقاتلان عربياً وأفريقياً من الهامش نفسه. في هذا الجانب تجد أبناء دارفور وكردفان وجبال النوبة ومناطق الأطراف المختلفة، وفي الجانب المقابل تجد أبناء المناطق نفسها، وحتى داخل القوات المسلحة المركزية فإن كثيراً ممن يحملون عبء القتال على الأرض ينحدرون من هذه المناطق. تختلف الرايات والقيادات والتحالفات والمشروعات السياسية، لكن جانباً كبيراً من الدم الذي يسيل يأتي من الخزان البشري نفسه الهامش. وهنا تبدأ قصة «الشايقي النجيض».
والشايقي الذي أتحدث عنه هنا ليس الشايقية كجماعة إثنية، ولا أحمل قبيلة سودانية مسؤولية حرب دولة كاملة. «الشايقي النجيض» هنا استعارة سياسية ساخرة لعقل المركز السوداني التاريخي؛ ذلك المركز الذي اكتسب عبر عقود طويلة خبرة في إدارة الأطراف وتناقضاتها، وفي معرفة متى يمسك اللجام ومتى يرخيه، ومتى يدفع قوة إلى الأمام ومتى يحتاج إلى إيقافها، وكيف يجعل القوى التي يحتاج إليها محتاجة إليه في الوقت نفسه. The Shaygi is very clever. ليس لأنه بالضرورة أفضل من يحمل البندقية، وإنما لأنه يفهم أن المنتصر في حرب الاستنزاف ليس بالضرورة من يربح أكبر عدد من المعارك، فقد يكون المنتصر ببساطة هو الطرف الذي يخرج في النهاية أقل استنزافاً من الآخرين.
وهنا تصبح كردفان أكثر من مجرد جبهة عسكرية. إنها تتحول إلى مكان يُستهلك فيه البشر والاقتصاد والمجتمع والزمن. فالقرية التي تُحرق هناك، والسوق الذي يتوقف، والمزرعة التي لا تُزرع، والمدرسة التي تُغلق، والأسرة التي تنزح، والشاب الذي يموت، ليست كلها آثاراً جانبية للحرب؛ إنها جزء من الناتج الحقيقي للحرب. ولهذا لا تكفيني حتى كلمة «الاستنزاف»، لأنها تبدو عسكرية أكثر مما ينبغي. ما يحدث أخطر من استنزاف الجنود والذخيرة، إنه عصرٌ لحيوات الهامش: عصرٌ للرجال والشباب، وللاقتصاد والتعليم والزراعة والتجارة، وللقيادات والكفاءات والروابط الاجتماعية، وللسنوات التي كان يمكن أن تتحول إلى تنمية وتعليم ومؤسسات وتراكم اقتصادي، فتحولت بدلاً من ذلك إلى سنوات من البنادق والمقابر والنزوح.
وفي هذا يكمن سرُّ حرب الكرِّ والفر؛ فما حاجتك إلى أن تجهز على خصمك في يومٍ واحد، إن كنت قادراً على أن تدعه ينزف على مهل؟ وما حاجتك إلى هزيمته الهزيمة القاضية، إن استطعت أن تحول بينه وبين النصر، وتُبقيه أبداً على تخوم الحسم لا يبلغ غايته، ولا تنقضي حاجتك إليه؟ فبعض الحروب لا يُراد للخصم فيها أن يموت، وإنما أن يبقى حيّاً بما يكفي ليواصل النزف.
الدولة المركزية كطبيب يعرف ان مريضه يحتاج إلى خمسة سي سي من دواء معين حتى يتعافى، لكن الطبيب، وهو يعرف الجرعة العلاجية، يعطيه ثلاثة سي سي فقط. الثلاثة سي سي تكفي لكي لا يموت، لكنها لا تكفي لكي يشفى. يتحسن قليلاً ثم يتدهور، وعندما يقترب من الانهيار يحصل على جرعة أخرى، فيتحسن مرة أخرى ثم يعود إلى الحالة نفسها. لا يموت ولا يتعافى، ويبقى محتاجاً إلى الطبيب.
هذه بالنسبة لي واحدة من أفضل الصور لفهم علاقة المركز ببعض القوى المسلحة التي يحتاج إليها في الحرب. يعطيك ما يكفي لكي تستمر في القتال، لكن السؤال ليس إن كان يعطيك السلاح، بل إن كان يعطيك ما يكفي للحسم. هناك فرق هائل بين السلاح الذي يمنع هزيمتك والسلاح الذي يمنحك النصر، وبين الإمداد الذي يسمح لك بالبقاء في الميدان والإمداد الذي يسمح لك بتغيير ميزان الحرب، وبين أن يسمح لك بالتقدم وأن يمنحك من القوة ما يجعلك مستقلاً عنه بعد انتصارك. ثلاثة سي سي، لا خمسة. لا يريدك ميتاً، لأن موتك يعني خسارة قوة يحتاج إليها، لكنه ليس مضطراً أيضاً إلى أن يريدك معافى تماماً، لأن تعافيك الكامل قد يعني أنك ستصبح غداً قوة تستطيع الاستغناء عنه.
وهنا تكمن واحدة من أخطر مفارقات التحالف مع المركز. الحليف الضعيف مفيد، أما الحليف المنتصر تماماً فقد يصبح مشكلة. لأنك إذا أعطيت قوة مسلحة كل ما تحتاج إليه لتحقيق انتصار استراتيجي كامل، فإنك لا تمنحها النصر فقط، بل تمنحها الرجال والسلاح والأرض والشرعية السياسية التي يصنعها الانتصار. وبعد انتهاء الحرب ستجلس أمامك بهذه القوة لتطالب بنصيبها من السلطة والثروة وربما بإعادة تشكيل الدولة نفسها. لذلك تصبح المعادلة أكثر مكراً أحتاجك قوياً بما يكفي لكي تحارب عدوي، لكنني لا أريدك قوياً إلى درجة تستطيع بعدها الاستغناء عني. ومن هنا تأتي أهمية اللجام: أرخِه عندما يحتاج الحليف إلى التقدم، وشدّه عندما يتحول التقدم إلى قوة مستقلة، وأعطه ما يمنع سقوطه، لكن ليس بالضرورة ما يحقق له الحسم. ثلاثة سي سي.
ويقال في التعبير الشعبي المصري عن الشيء المعلق: «زي البيت الوقف». البيت موجود، لكنك لا تستطيع التصرف فيه تصرف المالك الحر؛ لا تستطيع بيعه أو رهنه كما تريد، فهو موجود لكنه معلق. وهناك صورة شعبية أخرى أكثر قسوة: المرأة التي لا يريد زوجها أن يعيش معها حياة زوجية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه لا يطلقها حتى تصبح حرة؛ لا هي تعيش حياة الزوجة ولا هي مطلقة تستطيع أن تبدأ حياة أخرى. إنها معلقة. وهذه هي الحالة المثالية لحرب الاستنزاف: لا انتصار ولا هزيمة، لا سلام ولا حسم، لا انهيار كامل ولا تعافٍ كامل، وإنما تعليق طويل داخل الحرب.
وهكذا يستمر الكر والفر: تدخل مدينة ثم تخرج منها، تسيطر على طريق ثم تفقد طريقاً آخر، تتقدم عشرين كيلومتراً ثم تتراجع عشرة، وتبدأ عملية عسكرية جديدة لاستعادة الموقع الذي استعدته قبل أشهر، ويحتفل الجميع بانتصارات تكتيكية بينما يواصل الزمن انتصاره الاستراتيجي على الجميع. وهنا يجب أن نفهم أن أخطر سلاح في معركة كردفان قد لا يكون الطائرة أو المدفع أو البندقية؛ أخطر سلاح هو الزمن. الرصاصة تقتل إنساناً، أما عشر سنوات من الحرب فيمكنها أن تقتل مستقبلاً كاملاً. كل سنة إضافية تعني أطفالاً آخرين خارج المدارس، ومزارعين بلا مواسم، وتجاراً بلا رؤوس أموال، وأطباء ومهندسين يغادرون، وأسراً تنزح، وقرى تفرغ من سكانها، وطرق تجارة تموت، ومدناً تفقد طبقتها الوسطى. إنها عملية عصر بطيئة، عصر حيوات الهامش.
والأخطر أن الرصاصة التي يطلقها ابن الهامش على ابن آخر للهامش لا تصيب الهامش مرة واحدة، بل مرتين مرة عندما يموت الإنسان، ومرة عندما يولد الثأر. يموت الرجل اليوم، لكن أخاه يتذكر، وابنه يتذكر، وقريته تتذكر، وقبيلته تتذكر، وفي الجانب الآخر توجد أسرة وقبيلة وقرية تحمل الذاكرة نفسها. ثم قد يوقع القادة اتفاق سلام بعد سنوات، لكن الاتفاق لا يمحو المقابر ولا يمحو السؤال (( من قتل أبناءنا؟ )) وهكذا تتحول الخسارة العسكرية إلى خسارة اجتماعية تمتد إلى جيل آخر، والمجتمعات التي كان يمكن أن تتوحد يوماً حول سؤال السلطة والثروة والمواطنة وإعادة بناء الدولة تصبح مشغولة بتصفية حساباتها الداخلية. وهنا يكون الهامش قد خسر مرتين: خسر أبناءه، وخسر جزءاً من قدرته على الاتحاد حول مصالحه التاريخية.
هذا ما أقصده بقصم ظهر الهامش. قصم الظهر لا يعني أن يختفي سكان دارفور أو كردفان أو جبال النوبة، بل ربما يكون الشكل الأكثر كفاءة لقصم الظهر هو أن يبقى الجميع موجودين لكنهم يصبحون أقل قدرة على الفعل. تبقى الحركة المسلحة، لكنها فقدت أفضل مقاتليها. تبقى القبيلة، لكنها غارقة في الثأرات. تبقى المدينة، لكن طبقتها الوسطى هاجرت. تبقى الأرض، لكن اقتصادها محطم. تبقى المطالب التاريخية بالعدالة وتقاسم السلطة والثروة، لكن المجتمع القادر على فرض هذه المطالب أصبح أضعف. تبقى حياً، لكنك لا تستطيع الوقوف. ثلاثة سي سي مرة أخرى .. لا تموت، لكن لا تتعافى.
ولنتخيل نهاية هذه الحرب بعد سنوات طويلة: دارفور منهكة، كردفان منهكة، جبال النوبة منهكة، عرب الهامش منهكون، أفارقة الهامش منهكون، الحركات المسلحة فقدت الآلاف، والقوى التي قاتلتها فقدت الآلاف، والقوات المسلحة المركزية نفسها فقدت الآلاف من جنودها الذين يأتي كثير منهم أصلاً من الأطراف. قد يرفع أحدهم علم النصر، لكن السؤال الحقيقي لن يكون من دخل آخر مدينة؛ السؤال سيكون: من بقيت لديه القوة بعد انتهاء الحرب؟
وهنا يظهر الفرق بين الانتصار العسكري والانتصار البنيوي. تخيل قوتين من الهامش دخلتا الحرب وكل واحدة منهما بعشرة آلاف مقاتل، وبعد سنوات خرجت الأولى بأربعة آلاف والثانية بثلاثة آلاف. يمكن أن نقضي أياماً في مناقشة أيهما انتصرت، لكن السؤال البنيوي الأكثر أهمية هو: من المستفيد من اختفاء ثلاثة عشر ألف مقاتل من ميزان القوة الذي كان سيواجهه غداً؟ هنا يمكن لطرف أن يخسر معارك كثيرة، وربما يخسر مدناً ومواقع، لكنه يظل رابحاً على مستوى أعمق إذا خرجت جميع القوى التي يمكن أن تنازعه في شكل الدولة أضعف مما كانت عليه. وهذا هو الانتصار البنيوي.
وليس ضرورياً لكي يحدث ذلك أن تكون هناك غرفة مغلقة يجلس فيها رجال يرسمون على الخريطة خطة سرية لتدمير الهامش؛ فالبنى السياسية أكثر تعقيداً من نظريات المؤامرة. قد يتخذ كل طرف قراراً يبدو عقلانياً بالنسبة إليه: الحركة تقول سأتحالف مع المركز لكي أهزم خصمي، والقائد يقول سأقبل السلاح لأنني أحتاج إليه الآن، والمجتمع يقول سأتسلح لكي أحمي نفسي، والطرف المقابل يفعل الشيء نفسه، والمركز يستخدم هذا لمواجهة ذاك ثم يستخدم ذاك لموازنة هذا. كل قرار منفرد قد يبدو منطقياً في لحظته، لكن بعد سنوات طويلة قد ينظر الجميع حولهم ليكتشفوا أن الشيء الوحيد الذي تحقق بكفاءة مذهلة هو قصم ظهر الجميع.
وهنا نعود إلى «الشايقي النجيض». مرة أخرى، الشايقي هنا ليس قبيلة، بل استعارة لعقل المركز السوداني التاريخي؛ ذلك الذي يعرف أن السلطة ليست دائماً أن تكون أقوى من الجميع، بل أن تعرف كيف تدير قوة الجميع. يعرف متى يمسك اللجام ومتى يرخيه، يعرف متى يعطي ثلاثة سي سي، ويعرف لماذا لا يعطي خمسة. The Shaygi is very clever. لا يحتاج إلى أن يكون أقوى حصان في السباق إذا كان هو الذي يمسك باللجام، ولا يحتاج إلى أن يقتل الجميع إذا كان الجميع قادرين على استنزاف بعضهم بعضاً.
وهذا هو ما يجعل معركة كردفان مخيفة. المسألة ليست فقط من سيسيطر على الأبيض أو الدلنج أو بابنوسة أو أي موقع آخر؛ الخطر أن تتحول المعركة نفسها إلى ماكينة تاريخية للاستهلاك البشري والسياسي. عربي الهامش وأفريقي الهامش في جانب، وعربي الهامش وأفريقي الهامش في الجانب الآخر، يقاتلون تحت رايات مختلفة ويموتون تحت شعارات مختلفة، لكن الخسارة التاريخية تتجمع في المكان نفسه: الهامش.
وعندما تتوقف المدافع أخيراً، ربما نكتشف أننا كنا نحسب الحرب بطريقة خاطئة. كنا نسأل: من أخذ المدينة؟ بينما كان السؤال: من أخذ السنوات؟ كنا نسأل: من خسر الطريق؟ بينما كان السؤال: من خسر جيلاً؟ كنا نسأل: من قتل عدداً أكبر من جنود خصمه؟ بينما كان السؤال: كم بقي من القوة البشرية للهامش كله؟ وكنا نسأل: من انتصر عسكرياً؟ بينما كان السؤال الحقيقي: من بقي قادراً على فرض شروطه عندما انتهى الآخرون من استنزاف بعضهم بعضاً؟
إذا انتهت الحرب وبقي المركز قادراً على إعادة إنتاج نفسه، بينما احتاجت كردفان ودارفور وجبال النوبة وبقية هوامش السودان إلى جيل كامل لإعادة بناء الإنسان والاقتصاد والثقة والقوة السياسية، فلن تكون معركة كردفان قد انتهت بلا منتصر. سيكون هناك منتصر حتى لو لم ينتصر في كل المعارك؛ منتصر لأنه فهم أن السيطرة على الزمن أحياناً أهم من السيطرة على الأرض، ولأنه لم يكن بحاجة إلى كسر ظهر الهامش بضربة واحدة. كان يكفي أن يستمر الهامش في قتال الهامش، وأن تبقى المعركة معلقة بين النصر والهزيمة، وأن تستمر جرعات الثلاثة سي سي، وأن يبقى من يمسك باللجام أقل استنزافاً ممن يركضون في الميدان.
وعندما يأتي يوم الصمت بعد سنوات من الكر والفر، قد ينظر عرب الهامش وأفارقة الهامش إلى بعضهم بعضاً فيجدون أنهم جميعاً خرجوا أضعف مما دخلوا. وعندها فقط سيصبح السؤال الأخير أكثر قسوة من كل أسئلة الحرب: من كان يقاتل، ومن كان يمسك باللجام؟
وهنا نفهم معنى العبارة: الشايقي النجيض. The Shaygi is very clever. لأنه لم يحتج إلى أن يكسر ظهر الهامش بيديه؛ كان يكفيه أن يمسك اللجام، وأن يعطي ثلاثة سي سي بدلاً من خمسة، وأن يترك معركة كردفان التي لا تنتهي تقوم بالباقي.




