رأي

جرائم الجيش : دماء المدنيين في ميزان الحرب 

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

منذ اندلاع الحرب في السودان أخذت المأساة الإنسانية تتكشف بصورة أكثر قسوة واتساعاً، حتى أصبح المدنيون أنفسهم ساحة المعركة الحقيقية. فبدلاً من أن يكون السلاح موجهاً إلى مواقع القتال، امتد ليطال القرى والأسواق والمنازل والمرافق العامة، في مشهد يعكس انهياراً خطيراً في القيم التي يفترض أن تضبط سلوك الجيش في زمن النزاعات. لقد تحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية لملايين السودانيين، وأصبحت السماء التي كانت تبشر بالمطر والخير مصدراً للرعب والموت، بينما يتساقط الأبرياء تحت القصف دون أن يكون لهم في الحرب ناقة ولا جمل.

وفي قلب هذه المأساة يبرز بوضوح كالشمس في رابعة جيش الفلول المختطف من جماعة الإخوان المسلمين السودانية الإرهابية، وهو الوصف الذي يعكس قناعة متزايدة لدى السواد الاعظم من الشعوب السودانية بأن الجيش ليس مؤسسة وطنية محايدة، بل ظل رهينة لمشروع سياسي وأيديولوجي قديم يسعى إلى البقاء عبر الحرب. ووفق هذه الرؤية، فإن هذا الجيش يخوض معركة لا تستهدف خصوماً عسكريين فحسب، بل امتدت لتشمل مجتمعات مدنية كاملة جرى التعامل معها باعتبارها “حواضن اجتماعية” لقوات الدعم السريع، وهو منطق خطير يجعل المدنيين أنفسهم أهدافاً مباشرة للحرب.

لقد كشفت الوقائع المتتابعة أن القصف لم يميز بين موقع عسكري وحي مدني، ولا بين مقاتل وطفل أو امرأة أو شيخ طاعن في السن. ففي دارفور وكردفان والنيل الأزرق تكررت مشاهد الدمار ذاتها: منازل تحولت إلى ركام، أسر فقدت أبناءها في لحظات، وقرى كاملة أُفرغت من سكانها بعد أن أصبحت الحياة فيها مستحيلة. ولم تكن تلك الأحداث مجرد أخطاء عسكرية معزولة، بل بدت في نظر كثير من المراقبين نمطاً متكرراً من الاستهداف الذي يطال المجتمعات المدنية نفسها، الأمر الذي يثير أسئلة عميقة حول طبيعة هذه الحرب وحدودها الأخلاقية.

ومن أكثر الوقائع التي بقيت شاهداً دامغاً على حجم الكارثة ما جرى في سوق طرة، حيث تحولت لحظة عادية من حياة الناس إلى مجزرة مروعة. كان السوق مكتظاً بالباعة والمتسوقين حين وقعت الضربة التي مزقت المكان وحصدت أرواح المئات في دقائق قليلة. لقد سقط في ذلك اليوم أكثر من أربعمائة إنسان، معظمهم من المدنيين الذين لم يحملوا سلاحاً ولم يكونوا جزءاً من أي مواجهة عسكرية. ولم يكن سوق طرة سوى حلقة في سلسلة طويلة من الاستهدافات التي طالت الأسواق والمناطق المأهولة بالسكان في عدد من مدن وقرى السودان، في مشهد يعكس حجم الاستهتار بحياة الناس.

ولم يتوقف الاستهداف عند حدود الأرواح البشرية، بل امتد ليطال مقومات الحياة نفسها. فقد تعرضت مصادر المياه للقصف، واستُهدفت المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس، كما لم تسلم دور العبادة من هذا الخراب. وفي كثير من المناطق طالت الضربات الثروة الحيوانية التي تشكل عماد الاقتصاد الريفي، فهلكت أعداد كبيرة من الماشية وتدمرت الحظائر والمزارع، الأمر الذي حرم آلاف الأسر من مصدر رزقها الوحيد. لقد بدا الأمر وكأن الحرب لا تستهدف البشر وحدهم، بل تستهدف كل ما يمكن أن يساعدهم على البقاء والاستمرار.

وفي خضم هذه الوقائع المروعة ظهرت تقارير ومخاوف متزايدة تشير إلى احتمال استخدام أسلحة محرمة دولياً في بعض العمليات العسكرية. فقد تحدثت تقارير وشهادات ميدانية عن أعراض صحية غير مألوفة ظهرت بعد بعض الهجمات، وهو ما دفع ناشطين وخبراء إلى التحذير من احتمال استخدام مواد كيميائية في مناطق النزاع. وإذا ثبتت صحة هذه الاتهامات فإن ذلك يمثل جريمة بالغة الخطورة وانتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تحظر استخدام هذه الأسلحة لما تسببه من معاناة إنسانية لا يمكن احتواؤها.

إن استهداف المدنيين على هذا النحو، سواء عبر القصف المباشر أو تدمير المرافق الحيوية التي يعتمدون عليها للبقاء، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه سلوكاً يقترب من أخطر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فالقانون الدولي الإنساني واضح في نصوصه: يجب التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ويجب حماية السكان المدنيين من أي هجمات متعمدة أو عشوائية. أما حين يصبح المدنيون أنفسهم هدفاً للحرب، فإن الصراع يفقد أي مبرر أخلاقي أو قانوني ويغدو مجرد آلة لإنتاج المآسي.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل تنهار عندما تفقد مؤسساتها الأساسية وظيفتها الأخلاقية. والجيش في أي دولة ليس مجرد قوة مسلحة، بل هو رمز لحماية الوطن وصون حياة المواطنين. لكن حين يتحول هذا الجيش إلى مصدر للخوف والدمار، فإن العلاقة بين الدولة ومواطنيها تتعرض لصدع عميق قد يستغرق عقوداً لترميمه.

إن السودان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية في تاريخه. فإما أن تتوقف هذه الممارسات ويُفتح الطريق أمام تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإما أن تستمر دائرة الدم التي لن تنتج في نهاية المطاف سوى مزيد من الخراب والانقسام. وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً: لا وطن يمكن أن يُبنى فوق أنقاض أسواقه المحترقة وقرَاه المدمرة ودماء أبنائه الأبرياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!