
سمية النور دهب .. دبلن
لم تكن الندوة التي عُقدت في زيورخ، على هامش زيارة مني أركو مناوي ووفده، حدثًا عاديًا في سياق الحراك السياسي السوداني، لكنها في الوقت ذاته لم تحمل ما يكفي لتغيير ملامح المشهد أو حتى إعادة صياغة النقاش حول الحرب والسلام. فقد بدا اللقاء، رغم زخمه الظاهري، أقرب إلى عرض سياسي مُعد بعناية، أكثر من كونه منصة صادقة لمراجعة الواقع أو الاعتراف بتعقيداته.
اللافت أن الخطاب الذي طُرح في الندوة ظل يدور في إطار مألوف، يعتمد على تكرار مفاهيم عامة حول السلام ووحدة السودان، دون أن يتقدم خطوة نحو تفكيك الأسباب الحقيقية التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة. وهو ما جعل الرسائل المطروحة تبدو منزوعة الأثر، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها غير مكتملة.
في جوهر الأمر، لا يمكن فصل هذه الزيارة عن السياق السياسي الذي تتحرك فيه، حيث تسعى أطراف عدة إلى إعادة تقديم نفسها في المشهد الدولي، بعد أن أصبحت جزءًا من معادلات القوة داخل الحرب. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: كيف يمكن لمن هو داخل الصراع أن يتحدث عنه كوسيط أو حامل لمشروع سلام؟
إن التحول الذي شهدته بعض الحركات المسلحة من موقع المطالبة بالعدالة إلى موقع الشراكة في الواقع العسكري، أضعف من قدرتها على إقناع الآخرين بأنها ما تزال تحمل ذات المشروع. فالمواقف السياسية لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُمارس، وما يُمارس اليوم يعكس انخراطًا مباشرًا في معادلة لا تزال بعيدة عن الحل.
كما أن توجيه الانتقادات للخارج، دون موازنتها بنقد داخلي صريح، يُفقد الخطاب توازنه، ويجعله أقرب إلى سردية دفاعية، بدل أن يكون طرحًا نقديًا يسعى إلى التغيير. فالأزمة السودانية، مهما تعقدت أبعادها الدولية، تظل في جوهرها أزمة داخلية تحتاج إلى شجاعة سياسية في مواجهتها.
في المحصلة، يمكن القول إن ما جرى في زيورخ لم يكن اختراقًا في مسار السلام، بل إعادة إنتاج لصورة سياسية تبحث عن قبول خارجي، دون أن تعيد النظر في موقعها الداخلي. وهذا ما يجعل تأثيرها محدودًا، مهما بدا حضورها لافتًا.
فالسلام، في نهاية المطاف، لا يُصنع في القاعات، بل في القرارات التي تغيّر الواقع.



