
محمد داؤد بنداك.
ليست هذه كلمات عابرة، ولا صرخة في فراغ. إنها مواجهة مباشرة مع مشروع يُراد له أن يمرّ في صمت، بينما يُعاد تشكيل الجغرافيا والبشر على حساب شعبٍ ضاربٍ في عمق التاريخ.
النوبة اليوم ليست فقط في خطر… بل في مرمى الاستهداف.
في عالمٍ تعترف فيه الأمم المتحدة بحقوق الشعوب الأصلية، وتُحرِّم تهجيرها القسري من أراضيها التاريخية، يُراد للنوبيين أن يُقتلعوا من جذورهم، أو يُذوَّبوا داخل واقع ديموغرافي مفروض، حتى يختفوا بلا ضجيج.
ما يجري ليس خطأ إداريًا، ولا اجتهادًا حكوميًا سيئ التقدير.
إنه امتداد واضح وممنهج لسياسات بدأت منذ عقود، هدفها النهائي:
إفراغ الأرض من أصحابها… ثم ملؤها بغيرهم.
كانت الضربة الأولى مع سد أسوان العالي، حين أُغرقت وادي حلفا، لا بالماء فقط، بل بالخذلان والتواطؤ، وجرى اقتلاع إنسان النوبة من أرضه، وتشتيته قسرًا في بيئات لا تشبهه ولا تشبه تاريخه. لم يكن ذلك مجرد مشروع تنموي، بل جريمة تاريخية ما زالت آثارها تنزف حتى اليوم.
ثم تواصلت فصول الاستهداف:
تجفيف متعمد، تهميش ممنهج، إفقار مقصود، غياب للخدمات، حصار للتنمية… حتى أصبحت الأرض نفسها تدفع أبناءها دفعًا إلى الرحيل.
هجرةٌ تُفرض بلا قرار رسمي، لكنها تُصنع بسياسات خبيثة.
وفي زمن الحركة الإسلامية في السودان، كاد المخطط أن يكتمل عبر مشاريع سدود كجبار ودال، التي لم تكن سوى أدوات جديدة لطمس ما تبقى من النوبة. لكن النوبيين، بوعيهم ونضالهم، أسقطوا ذلك المشروع، وأثبتوا أن هذه الأرض ليست بلا حراس.
واليوم… يعود المخطط بوجهٍ أكثر دهاءً وخطورة.
لا بالمياه هذه المرة… بل بالبشر.
إعلان السلطات في بورتسودان عن نقل نازحين من دارفور إلى المحليات النوبية ليس عملاً إنسانيًا بريئًا كما يُسوَّق له، بل خطوة ضمن مشروع إعادة هندسة سكانية، يهدف إلى خلق واقع جديد يُقصي النوبيين تدريجيًا من أرضهم.
وهنا نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:
نحن لا نعادي النازحين… ولا نقف ضد ضحايا الحرب.
بل العكس تمامًا.
لقد فتح النوبيون بيوتهم قبل حدودهم، وقلوبهم قبل مواردهم.
استقبلوا الفارين من الجحيم، رغم قلة ذات اليد، وتقاسموا معهم الطعام والمأوى، وقدموا نموذجًا إنسانيًا مشرفًا في زمن الانهيار.
لم يسألوا: من أين أتيتم؟
بل قالوا: أنتم بين أهلكم.
لكن ما لن نقبله، ولن نسكت عنه، هو أن تتحول هذه الشهامة إلى ثغرة،
وأن يُستغل هذا الكرم لفرض توطين دائم يغيّر هوية الأرض وسكانها.
إن توظيف المأساة الإنسانية كأداة سياسية لإعادة توزيع السكان جريمة مكتملة الأركان.
وجريمة أكبر أن تُفرض على حساب شعبٍ لم يعرف إلا الصبر… لكنه لم ولن يقبل الفناء.
النوبة ليست أرضًا سائبة.
وليست مساحة احتياطية تُستخدم عند الأزمات.
وليست حقل تجارب لقرارات سلطة مأزومة.
النوبة تاريخ… وهوية… وحق لا يسقط.
إن تحويل النوبيين إلى أقلية في أرضهم ليس احتمالًا بعيدًا… بل هدفٌ يجري العمل عليه بخطوات محسوبة.
ومن لا يرى ذلك اليوم… سيفهمه غدًا بعد فوات الأوان.
لذلك، فإن المعركة لم تعد مؤجلة.
إنها الآن.
معركة وعي… معركة بقاء… معركة وجود.
وعليه، فإننا نوجه نداءً لا يقبل التردد:
إلى كل نوبي ونوبية… في الداخل والمهجر…
اتحدوا.
تنظموا.
ارفضوا.
قاوموا بكل الوسائل السلمية والقانونية.
لا تسمحوا بتمرير هذا المخطط تحت أي مسمى.
لا تنخدعوا بالشعارات الإنسانية التي تُخفي خلفها مشاريع اقتلاع.
ولا تساوموا على الأرض… لأن من يفرط في الأرض، يفرط في التاريخ.
وليعلم من يخططون في الغرف المغلقة:
النوبة ليست الحلقة الأضعف…
والنوبيون ليسوا شعبًا بلا ذاكرة.
لقد صمدنا آلاف السنين في وجه الغزاة،
ولن نسقط اليوم بقرارات إدارية.
النوبة لن تُمحى… ولن تُستبدل… ولن تُبتلع.




