رأي

نبيل أديب: بين ميزان العدالة وأسئلة الضمير

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن

العدالة لا تُقاس ببلاغة الخطاب، بل بقدرتها على إنصاف المظلوم ومحاسبة الجاني

في المشهد السوداني المزدحم بالتجاذبات السياسية والذاكرة المثقلة بالأحداث المفصلية، يظل اسم نبيل أديب أحد الأسماء التي أثارت، وما تزال، جدلاً واسعاً بين من يراه صوتاً قانونياً له باع طويل في الدفاع عن الحريات، ومن يحمّله مسؤولية إخفاقات كبرى في مسار العدالة، خاصة في ما يتعلق بملف التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019.

لقد شكّلت تلك الحادثة واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ الحديث للسودان، حيث ارتبطت في الوجدان الجمعي بمطالب العدالة والقصاص، وبانتظار طويل لمعرفة الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات بشكل واضح. وفي هذا السياق، جاء تكليف لجنة تحقيق برئاسة نبيل أديب باعتبارها خطوة مفصلية، عُلّقت عليها آمال عريضة من أسر الضحايا وعموم الشعب السوداني.

غير أن مسار اللجنة، الذي امتد لسنوات، فتح الباب أمام تساؤلات حادة حول جدوى التأخير، وحدود الصلاحيات، وطبيعة الإجراءات التي اتُّبعت في جمع الأدلة والاستماع إلى الشهادات. فبين من يرى أن تعقيدات المشهد السياسي والأمني، وتداخل مراكز القوة، كانت سبباً موضوعياً في إبطاء التحقيق، يذهب آخرون إلى أن التأخير أضرّ بجوهر العدالة، وأفقد الضحايا الثقة في إمكانية الوصول إلى نتائج حاسمة.

وتتعمّق هذه الأسئلة حين يُطرح موضوع العلاقة بين القانون والسياسة، وهل يمكن فعلاً فصل أحدهما عن الآخر في سياقٍ انتقالي مضطرب؟ فالقانون، في جوهره، يفترض الحياد والاستقلال، لكن الواقع كثيراً ما يفرض تحديات تجعل تطبيقه عرضة للتأويل والتجاذب. وهنا، يصبح تقييم أداء أي شخصية قانونية، بما في ذلك نبيل أديب، مرتبطاً بقراءة أوسع للبيئة التي عملت فيها، لا بمجرد الأحكام الانفعالية.

كما أن الانتقادات التي وُجّهت إلى مواقف لاحقة لأديب، خاصة في ما يتعلق بتصريحاته حول لجنة إزالة التمكين، أضافت بعداً آخر للنقاش، إذ رأى البعض أن تلك المواقف تعكس تحوّلاً سياسياً، بينما اعتبرها آخرون امتداداً لرؤية قانونية مختلفة حول آليات العدالة الانتقالية وحدودها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن قضايا العدالة في السودان، عموماً، ظلت رهينة لتعقيدات بنيوية تتعلق بضعف المؤسسات، وتداخل السلطات، وغياب الإرادة السياسية الموحدة. وهو ما يجعل أي مسار لتحقيق العدالة، مهما كانت نواياه، عرضة للتعثر أو التأخير، إن لم تُدعمه بيئة سياسية وقانونية مستقرة.

من هنا، فإن النقاش حول نبيل أديب يتجاوز شخصه إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للسودان أن يبني منظومة عدالة قادرة على التعامل مع إرث الانتهاكات؟ وكيف يمكن ضمان استقلالية التحقيقات، وشفافية الإجراءات، ومحاسبة المسؤولين، دون أن تتحول القضايا إلى أدوات للصراع السياسي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تأتي عبر الاتهامات المتبادلة، بل عبر بناء مؤسسات قوية، وتفعيل دور القضاء المستقل، وضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف. فالمجتمعات لا تتعافى بالشعارات، بل بإجراءات واضحة تعيد الثقة في القانون وتؤسس لمرحلة جديدة.

وفي نهاية المطاف، يبقى ميزان العدالة هو الحكم الحقيقي. فإما أن تنجح التجربة السودانية في ترسيخ مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وإما أن تستمر دوامة الشكوك والتجاذبات. وبين هذا وذاك، يظل الضحايا وأسرهم في انتظار الحقيقة… حقيقة لا تقبل التأجيل، ولا تحتمل المساومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!